|
على الرغم من مزايا الانفتاح الثقافي وضرورته للتعامل الإيجابي مع الواقع المعاصر إلا أنه يفرض تحديات على الأسرة الكويتية ، ومن أبرز تلك التحديات كما يقول - د. بشير صالح الرشيدي أستاذ علم النفس التربوي في جامعة الكويت واستشاري الإرشاد النفسي- اكتساب الناشئة بعض القيم والسلوكيات التي تتناقض مع نمو الشخصية نمواً متكاملاً يتمكن بموجبه الأبناء من التفاعل الإيجابي مع الواقع المعاصر في أبعاده المتنوعة وعلى مستوياته الداخلية والخارجية ويتصادم أحيانا مع الصور الذهنية التي يحملها الوالدان ويسعيان لتدعيمها في الأجيال القادمة . دور الأب و الأم في الأسرة الكويتية يتحدد وفق الثقافة الإسلامية بما لها من خصوصية وطابع إنساني عالمي
رعاية الذات تكون بحمايتها من الأخطار الخارجية والداخلية وخاصة الانفعالات النفسية
ويعتبر د.الرشيدي في دراسته القيمة " الأسرة الكويتية بين ضرورة تكامل الأدوار وتحديات الانفتاح الثقافي" أن الأدوار داخل الأسرة من أوضح الأمثلة للتكامل فدور الزوجة مكمل لدور الزوج وكذلك دور الزوج يتكامل مع دور الزوجة ، مشيرا إلى أنه إذا كان الزوج مثلاً يؤدي دوره الأسري على أكمل وجه وتؤدي الزوجة دورها على أكمل وجه أيضاً فإن ناتج ذلك أسرة قوية متماسكة ، أما إذا اختل دور أحدهما أو كليهما فإن ناتج ذلك يكون أسرة ضعيفة مهددة ، مفككة أو في طريقها إلى التفكك .
واقع الأسرة الكويتية
وحول دور الأب و الأم في الأسرة الكويتية يقول د. الرشيدي هذا الدور يتحدد وفق ثقافتنا العربية والإسلامية بما لها من خصوصية وطابع إنساني عالمي (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ، ( كفي بالمرء إثماً ان يضيع من يعول )، وهذا يعني أن الأب راع ومسؤول عن ذاته و أبنائه وزوجته والأم راعية ومسؤولة عن ذاتها وزوجها وأبنائها، كما أن الأبناء عليهم مسؤوليات تجاه ذواتهم و الوالدين على النحو المبين في الشريعة الإسلامية.
رعاية الذات وتتمثل أبجديات الرعاية في مراعاة الإنسان ذاته أولا في متواليات الحياة المتسارعة - كما يوضح استشاري الإرشاد النفسي - لأن هذه الرعاية الأساسية للذات البشرية هي المنطلقات لما بعدها من رعاية أخرى لمن يعول, وكثير من الناس ينسي هذه الحقيقة ويفكر بالآخرين من أولاد وغيرهم ولكنه ينسى نفسه , وحيث ان الحياة العصرية ذات ضغوط نفسية كبيرة جدا فان رعاية الذات تأتي في سلم الاولويات ومن هذا المنطلق تأتي أهمية ممارسة الرعاية بكل أبعادها, وتبدأ رعاية الذات بقبولها بكل ماتحمل من صفات وراثية أو مكتسبة , هذا القبول ينعكس على الصحة النفسية للإنسان ,والقبول قضية أساسية في الرعاية لمن تعول, وليس هناك أولى من ذاتك تراعيها وتقوم عليها بالعناية الفائقة وكما قال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه مايحب لنفسه, فقد ثبت في هذا الحديث أهمية محبة الذات . ويفرق بين الأنانية ومحبة الذات انطلاقا من تعريف الذات الذي يتحدد بأنه الإنسان بكليته بما يشمل علاقاته وتصوراته واتجاهاته وإنجازاته وغاياته , فإذا كانت العلاقات جزءاً من الذات فان محبة العلاقات هو محبة للذات, وإذا كان يسعى إلى أن يكون له ذرية صالحة فان هذا السعي يدخل ضمن الغايات وهي جزء من الذات ومن ثم يكون الأناني هو ذلك الشخص الذي يبتر ذاته ولايحب علاقاته وأما من أحب ذاته فقد شمل هذا الحب علاقاته .
ويستطرد د. الرشيدي قائلا ان رعاية الذات من القضايا الأساسية الرئيسة الواجب ممارستها في الأسرة, فليست الأسرة ميدان احتراق للوالدين في سبيل الأبناء, إنما الأسرة هي مجال تمتع الآباء والأمهات في مسيرة الحياة , وما لم يكن هذا المفهوم واضحا في أذهان الأزواج فان الأسرة تتحول إلى أداة ضعط نفسي قد يؤدي إلى اختلال واعتلال الذات البشرية ,ورعاية الذات تكون بحمايتها من الأخطار الخارجية والداخلية ومن أهم تلك الأخطار الانفعالات النفسية والتي قد يسببها وجود صور ذهنية عند الأولاد مغايرة لما يريده الآباء والأمهات , وهذا التغاير عادة يحدث خلله في الذات البشرية , لان عدم الاتزان النفسي ينشأ من اختلاف الواقع عن التوقع ومن ثم يحدث اختلال في التوازن ,ويتوتر الإنسان حتي يتطابق عنده الواقع مع التوقع أو يغير التوقع لكى يناسب الواقع وهذا مايسمي بالتكيف النفسي. ويشدد على أن المسؤولية الأولية للإنسان تنطلق من رعاية ذاته لان أول مايسأل عنه يوم القيامة هو ذاته وليس علاقاته بل انه يفر من أمه وأبيه وصاحبته وبينه لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه ,وهذه مسألة ينساها كثير من الناس ويسعون إلى تأدية واجبات في العلاقات ولايذكرون الذات الا قليلا, والادهى من ذلك ان مفهوم رعاية الذات ومحبتها أصبحت مرتبطة بالأنانية التي يمجها كثير من الناس ,والأمر ليس كذلك وإنما مرتبطة بالواجبات الأساسية لحياة الإنسان , كيفية رعاية الذات يقول د. الرشيدي : الأمر في غاية البساطة عندما تكون الاولويات واضحة , فذات الإنسان لها متطلبات أساسية لابد ان تكون أولوية عن بقية أفراد الأسرة , والتوازن واجب فان لنفسك عليك حقا وان لربك عليك حقا وان لأهلك عليك حقا فأت كل ذي حق حقه ,وهذا التوازن في الواجبات يعطي الذات أهمية كبيرة , فالرعاية الصحية والمحافظة على صحة الانسان في كل مراحل عمره أمر في غاية الأهمية وكذلك ممارسة الترويح في حياة الانسان قضية أساسية, وقضاء وقت ممتع مع ذاته ولذاته مسألة يغفل عنها الناس الذين يقومون برعاية الآخرين .
وأردف قائلا : هذا الأمر ينطبق على الآباء والأمهات , فليس هناك فروق في الذوات بين الجنسين , فالعناية التي نعنيها إنما نعني عناية إنسان لذاته ذكرا كان أم أنثي , فالأم لابد أن يكون لها وقتا تقضيه لذاتها وليس لأولادها ,وصورة الأم المضحية التي تقضي حياتها من اجل أولادها أصبحت صورة لابد من إعادة النظر بها , لان الإنسان خلق في هذه الحياة لكي يتمتع ,وقد خاطب الله سبحانه وتعالي نبيه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بقوله " طه ما أنزلنا عليك القرأن لتشقي " , فإذا كان القرآن وهو أهم قضية نزلت على الأرض , لم ينزل على محمد لكي يشقى فان الأولاد اقل أهمية من القرآن ولم يخلقهم لنا لكي نشقى بهم وإنما حدد وظيفتهم في الحياة الدنيا فهم زينة لنا .
رعاية الزوج وتؤكد الدراسة أن العناية بالزوج رجلا أو امرأة, تعتبر قضية أساسية , فلم تتكون الأسرة لرعاية الأولاد فقط وإنما تشكلت لمد معانـي الرعاية والعناية إلى الأطراف المختلفة, والمؤسس الأول لهذه الأسرة يستحق من أطرافها المختلفة أن يعطي كل أنواع العناية الفائقة على ماقدم لهذه الأسرة ,وعندما نؤكد هذا المعني إنما ننطلق من بعض الممارسات التي نشاهدها في الواقع الميداني والنظرات التي نرصدها في التعامل الأسرة حيث ينظر إلى الأم أنها خادمة لأسرتها قائمة بالرعاية والعناية دون أن يلتفت الآخرون إلي حاجاتها واهتماماتها , بل إن الواجبات تصب عليها ,والحقوق تحرم منها ,ولهذا وجب التنبيه إلى أهمية قيام المرأة برعاية نفسها أولا ومن ثم رعاية من تعول ,وكذلك الأمر بالنسبة للرجل على حد سواء , والقضية الثانية التي نريد ان نؤكد عليها هي رعاية كل طرف من أطراف الأسرة للطرف الآخر دون ان يكون الأولاد أولوية في هذه القضية ,وتكون عملية الإشباع في الجوانب العاطفية والأمنية النفسية وتنطلق من وجود قواسم مشتركة ولغة تواصل خاصة بالطرفين ومساندة مستمر لتحقيق أهداف كل طرف على حدة دون أن يتحمل أحدهما مسئوولية تحقيق أهداف الطرف الآخر ,وإنما نتحدث عن تعاون بين الطرفين وتفاهم على تحقيق التمتع في الحياة لكل طرف , وهذه عملية تواصل متراكمة يمكن تدعيمها من خلال الاتصال النفسي بين الطرفين , والعناية للزوج تكمن في مساعدة الزوج على تحقيق أهدافه وليس العمل على تحقيق رغباته أو القيام بواجباته , فليس إسعاد الزوج واجب على الطرف الآخر وإنما بذل الجهد في تلبية حاجاته ولكن الشعور بالسعادة مسئولية فردية .
رعاية الأسرة وتتناول الدراسة رعاية بقية أفراد الأسرة دون إخلال بالطرفين الأساسيين فيها ، وهذا يعني أن الدور المتوقع من الأب تجاه الأبناء يتضمن الإنفاق والرعاية و العمل على توفير كافة مستلزمات الحياة الكريمة للأسرة . ورغم أهمية هذا الجانب بالنسبة لدور الأب إلا أنه ليس الجانب الوحيد ، أما الدور المتوقع من الأم تجاه الأبناء فيتمثل بصفة أساسية في رعاية شؤون هؤلاء الأبناء ، والرعاية هنا تتخذ أبعاداً عديدة جسدية ، نفسية ، تربوية ، ثقافية ، أخلاقية ، دينية .....الخ. هذا الدور المتوقع من الأم يستلزم مشاركة الأب وإلا أصبح غير ممكن، فإذا اختلت هذه المشاركة اختل تكامل الأدوار داخل الأسرة ، المنطق نفسه إذا أخلت الأم في أداء الدور المتوقع منها . هناك وضوح في الدور الاجتماعي داخل الأسرة ، بمعنى أن دور الأم واضح وكذلك دور الأب ، وهناك جوانب مشتركة بين الدورين ، هذه الجوانب المشتركة ( وهي جوانب أساسية) يبدو فيها تكامل الأدوار أمراً ضرورياً وإلا اختل دور الأسرة في التربية والتنشئة ، وتكون معطيات هذا الاختلال آثاراً سلبية على الشخصية والسلوك داخل الأسرة.
ويتسائل د.الرشيدي هل يوجد تكامل بين دور الأب ودور الأم داخل الأسرة الكويتية ؟ ويجيب : إن المعطيات الواقعية تشير بكل أسف إلى اختلال تكامل الأدوار. صحيح أن الغالبية العظمى من الآباء يوفرون مستلزمات الحياة لأسرهم ، فهم يتولون الإنفاق ، كما أن الأمهات يهتممن بالتربية والتنشئة للأبناء ، لكن هذا الدور من جانب الآباء والأمهات تشوبه اضطرابات في المدى والنوعية ، فالأب الذي ينفق على الأسرة يعتقد خطأ أن دوره ينتهي عند هذا الحد فيهمل الجانب الأهم وهو الرعاية والضبط والتوجيه من خلال الاندماج والتفاعل والإشباع العاطفي ، كما أن الأم التي تعتقد بأنها تقوم على تربية الأبناء وتنشئتهم إنما يكون ذلك حسب اعتقادها هي ( وليس حسب ما ينبغي أن يكون ) وليس أدل على ذلك من الدور الكبير الذي يقوم به الخدم في شئون الأبناء. |