|
سيرة الآباء والاجداد دروس للابناء والاحفاد وما سطره أولئك الرجال يبقى امانة في اعناق من جاءوا من بعدهم عليهم المحافظة على تلك الدروس لتكون لهم ولمن أتى من بعدهم عظة وعبرة. وهذه حكاية اخرى من كتاب (حكايات من الكويت) لفضيلة الشيخ عبدالله النوري يرحمه اللّه جديرة بأن تكون منهج حياة، ومن فضل اللّه على هذا البلد الذي حباه اللّه الخير أن هيأ من أهله اناسا نذروا انفسهم لحب الخير والتنافس على عمله كلُُ حسب استطاعته وامكانياته حتى تساوى الكل في عمل الخير يرجون من اللّه الاجر وحسن الثواب. وهذه حكاية بطلها احد حكام هذا البلد بنفسه، فقد كان يتفقد أحوال المواطنين مع نهاية كل شهر عربي حيث يطوف على بيوت المحتاجين متنكرا باثواب لا تتناسب ومكانته كامير ويطرق ابوابهم ويقدم ما يعينهم على المعيشة العفيفة حتى لا يتعرضوا لذل السؤال، يرجو بذلك أن يكون قد ادى الامانة تجاه رعيته (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). حرص الناس على التمسك بالفضائل وتسابقوا إلى فعل الخير، وتنافسوا في كسب السمعة الحسنة، واجتهد كل واحد منهم أن يكسب رضا اللّه بحسنات يفعلها خفية بينه وبين ربه، يمتحن بها نفسه بعداً عن الرياء. وكان فيهم من يحرص على قيام الليل، يجتهد في أن يفعل ذلك خفية حتى عن أهله وأولاده. ومنهم من كان يصوم الأيام لا يعلم به احد من اهل بيته. ومنهم من كان يتصدق بالصدقة يخفيها، ولعله يتحرى بها الليل المظلم حتى لا يعرفه من يأخذها من يده. وكان محمد معدماً وهو من عائلة ذات عز، ولكنه اجتهد في أن يخفي عدمه ويستر فقره، اخفى ذلك حتى عن قرابته وبني عمه. وفي ليلة من الليالي وكان القمر في المحاق، سمع طارقاً يطرق الباب يطلب محمداً، وجاء محمد ورأى بالباب رجلاً طويلاً عليه عباءة رثة سوداء كسواد الليل قد قبع بها مد يده اليه بصرة فيها نقود ثم أدبر مهرولاً. فناداه محمد ولكن الرجل المجهول لم يرد عليه وكأنه أصم. ترك محمد الباب ودخل البيت وفتح الصرة وعرف ما فيها، وبقي يفكر في هذا الفاعل للخير المجهول كيف عرف حاجته، لكنه رضي بالواقع وصرف المبلغ في حاجته. وفي المحاق الذي يليه (المحاق آخر الشهر القمري)، جاء الرجل المجهول وطرق الباب وطلب محمداً ودفع له الصرة كما فعل في الأول وأدبر، وحاول محمد ان يلحق به، لكن الرجل كان سريع العدو واسع الخطا ولى ولم يعقب وكأن وحشاً لحقه. رضي محمد بالمقسوم وترك الرجل المجهول يذهب إلى حال سبيله، ودام الحال على ذلك مرات. لكن حب الاستطلاع في محمد ألح عليه أن يعرف صاحبه، وفكر في نفسه وهو القوي في بدنه أن يمسك بيد الرجل حين يناوله الصرة، وفي الليلة المعينة ليلة محاق القمر وقد جاء الرجل المجهول كعادته، وطرق الباب وخرج إليه محمد ومد المجهول يده بالصرة ومد محمد يده ليقبض، لكنه أمسك بالصرة واليد، وحاول المجهول أن يتخلص من يد محمد فلم يستطع لأن محمداً كان أقوى منه. عرف محمد صاحبه، ومن تظنه يا ترى وكأني بك أيها القارئ الكريم تفكر مثلي وتضرب بتفكيرك بوادي ووديان لتعرف من هذا جابر العثرات الذي تعود أن يتفقد كل عزيز ذل في قومه، ويمد يده بالعون لكل غني افتقر. انه أمير البلاد يومئذ الشيخ سالم بن مبارك بن الصباح، الرجل التقي الصالح الذي لم يترك مكرمة إلا كان من السابقين اليها. قال الشيخ سالم لمحمد: لقد عرفتني ولكني أقسم عليك بمن محا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة- أن تخفي أمري هذا معك حتى يأتي وعد اللّه. وتأثر محمد في نفسه أن يكون هذا الأمير المهاب بهذه الصفة الرقيقة فيتفقده، ولا شك انه يتفقد أمثاله، ويتحرى بهذا التفقد الليالي المظلمة يتنكر فيها بأفقر زي وأوهن ملبس، يسير في الدروب وحده وهو الذي لا يمشي في النهار إلا في المواكب، أثر ذلك في نفس محمد، فرق قلبه وبكت عينه، وقال لصاحبه: اقسم باللّه العلي العظيم ان امرك هذا سيبقى سراً، اللهم الا اذا عشت بعدك فسأحكيه للناس، ارجو أن يكون لمن بعدك فيه عبرة. وظل سالم أشهراً يكرم محمد ويتصدق بالسر على غير محمد، حتى اذا جاء اليوم الموعود يوم 15 جمادي الثانية سنة 1339 هـ يوم وفاة المرحوم الشيخ سالم بن مبارك بن الصباح، وفقد كثير من الناس العطف الذي كانوا يرونه من المحسن المجهول. اذاع محمد نبأه، وكشف لهم عن سره، وكان الناس قد فقدوا ذلك المحسن منذ فقدوا أميرهم، فحقق لهم صدق خبر محمد، وترحموا على المحسن المجهول، على ذلك الأمير الراحل والاب البار والحاكم العادل. رحم اللّه المحسن الشيخ سالم بن مبارك، واسكنه فراديس جناته مع الذين انعم اللّه عليهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ايها القارئ الكريم لا تستغرب ان وجدت اغلب هذه البلد يتسابقون على عمل الخير فقد كان ديدنهم منذ وجدوا على هذه الارض الطيبة وتربوا على هذا واصبح من نمط حياتهم واللّه اسال ان يديم عينا هذا السلوك ويحافظ عليه اللاحقين ويكونوا خير خلف لخير سلف واللّه من وراء القصد وهو خير معين. |