العالمية - صفر - 1427 هجرية - مارس2006 م - العدد (191) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

  تربويات

 

تنمية الحس الديني لدى الطفل.. كيف؟

 

أمينة محمد عبد الله - باحثة تربوية

 

عندما قاربت طفلتى الصغيرة على بدء عامها الثالث وظلت تقلد الأمور بطريقة مضحكة ومدهشة كنت أؤكد لزوجى أننى لن ادللها لأننى اريدها أن تكون متدينة وعاقلة وذكية .. إلخ لكننى فى قرارة نفسى كنت فى حيرة من امرى فانا فى الحقيقة ادللها بشدة وألبى كل ما تريده رغم أننى أشكو من تصرفاتها معى بل أحيانا أغضب بشدة من شخصيتها المستقلة ! فهى لا تسمع كلامى ولا تنفذ ما أقوله لها وتريد دائما أن تقلب المكان الذى تتواجد فيه رأسا على عقب وعندما أمسك شيئا فى يدها تملأ البيت صراخا وضجيجا وتريد منى أن اشاركها اللعب دائما وأترك زوجى وبيتى وإلا فالصراخ والبكاء بدلا من الضحك والمرح.

فى الحقيقة تعودت على ذلك رغم أنه يشكل عبئا على أعصابى وتفكيرى ودائما يخبرنى حدسى اننا سنكون صديقتين رائعتين وأن صورة فتاتى التى أحلم بها وأدعو الله من أجلها ستتحقق - إن شاء الله - بأدوات التربية : بالحب والصبر والحلم .. والحزم أحيانا! ولكن هناك سؤال يتردد على ذهنى وربما يتردد فى أذهان الجميع لأن كل من أقابله من الزميلات فى العمل أو القريبات أو حتى النساء فى وسائل المواصلات يكررن السؤال ولكن بصيغ مختلفة وهو:كيف نعلم الطفل؟ ومتى نعلمه؟.

القلوب الصافية

وعندما يتعلّق الأمر بالقضايا الدّينيّة يصبح هذا السّؤال أكثر أهمّية. فاليوم يظهر خلاف واضح فهذا فريق من الآباء والمدرسين يصرّون على عدم تلقين الأطفال أي تربية دينيّة ، رغم أنّ الإنسان لم يكن فى زمن من الأزمان خاليا من الدّين. فتسكن بين جوانبه ميول ماديّة وجوانب روحيّة وفى سعيه جاهدًا من أجل مواصلة وجوده المادّي، يبحث من جانب آخر عن الأجوبة المُقنعة بواسطة "معرفة دينيّة" سليمة بشكل خاصّ.

وهنا يأتى فريق آخر ليؤكد التّربية الدّينيّة الّتي يتلقّاها الإنسان في مرحلة طفولته تترك آثارها العميقة في نفسه طوال حياته ولذلك ينبغي أن تقدّم له هذه المعرفة منذ الطّفولة التى تنمى الضمير والوازع الأخلاقى عنده ورأيتنى أقف إلى صف هذا الفريق الثانى لأننى وجدت طفلتى سعيدة ومطمئنة.

لكننى تعجبت ذات مرة عندما رأيتها تضع القلم فى فمها وتؤدى حركات المدخنين رغم أن بيت أخوالها وأعمامها نظيف من هذه العادة وفطنت من هذه اللحظة أنها فى مرحلة عمرية تقوم فيها بتقليد أى شىء فقلت لنفسى ولما لا أوجهها لأمور أخرى مثل تقليد أبيها فى الصلاة صحيح أنها اضحكته أول مرة عندما كانت تقلده ولكنه فى المرات التالية كان ينادى عليها لتصلى معه قائلا : تعالى نصلى "الله أكبر، الله أكبر" وتأكدت من ذلك عندما قرأت للإمام الغزالى : "إنّ قلب الطّفل فارغ، صاف، له ميل فطري لتلقّي كلّ شيء، والميل إلى كلّ شيء". أمّا ابن مسكويه فيقول: "إنّ الطّفل في هذه المرحلة جاهز لتقبّل كلّ التّعاليم والتّلقينات الّتي توجّه له".

كما قال أحد الفلاسفة أنه: "عند ولادة الطّفل تولد معه جملة من القدرات، بيد أنّه يتعيّن تطوير هذه القدرات"، بمعنى أنّ هذه القابليات إذا وجّهت نحو الخير والدّين نشأ الطّفل مؤمنا، أمّا إذا وجّهت نحو المادية أو الإلحاد فإنّ الطّفل ينشأ غير مؤمن والطّفل إذا لم يتلق في طفولته دروسا إيمانيّة (حيّة)- وليس بالتلقين فقط - فمن العسير عليه بعد ذلك ان يتقبل أداء فروض الاسلام وأركان الإيمان، بل إنّ هذه الصّعوبة تصل أحيانا إلى درجة أن يصبح المرء في علاقته بتقبّل الإسلام شأنه شأن غير المسلم.

مراحل الطفولة الثلاث

وعند النّظر في المراجع التربوية يلاحظ أنّ مرحلة الطّفولة تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي بشكل عام على النّحو التّالي: مرحلة الرّضاعة: منذ الولادة إلى انتهاء العام الثانى، مرحلة الطّفولة الأولى: بين 3-7 سنوات، مرحلة الطّفولة الأخيرة: بين 7-11 سنة للإناث وبين 7-13 سنة للذّكور وتعتبر المرحلتان الأوليان الأكثر تأثيرا في مستقبل الطّفل.

في الرضاعة الأولى لا يلاحظ لدى الطّفل أيّ تعبير عن أي إحساس أو تفكير ديني. فالطّفل يحتاج في كلّ الأمور إلى الوالدين، غير أنّه من جانب آخر ليس معزولا بشكل تامّ عن العالم وعن محيطه. فالطّفل وإن كان لا يمارس أيّ نشاط بدني أو اجتماعي بالمعنى الحقيقي، إلاّ أنّه حسّاس إزاء الأحداث التي تقع في بيئته فاذا كانت بيئة مليئة بالسباب والعنف والكاسيتات ذات الأصوات الصاخبة فسيتاثر بذلك لا محالة وأول ما ينطق به كلمات الاغاني الهابطة والفاظ السباب أما إذا كانت بيئة هادئة تشهد الصلوات الخمس وأجواء المودة والرحمة فسيكون بالتأكيد ذات شخصية مهذبة لها شأن آخر.

يقول عالم النّفس الألماني هولنباخ: "يمتلك الطّفل إحساحا شديدا بالرّغبة في المعرفة والبحث عن قدرة غير محدودة تساعده وتحميه وهي لا تزال غير ظاهرة، ولم يتمّ التّمكّن من شرحها إلى حدّ الآن والشّيء الّذي يجعل من الطّفل شخصا متديّنا هو هذا الشّوق والرّغبة في الاكتشاف إزاء اللاّمحدود، وهذه الرّغبة كامنة في داخله بيد أنّه من الضّروري أن تشجّع هذه الرّغبة ويُغذى هذا الحماس ويُوجّها من قبل العائلة."

وفى المرحلة الثانية يبدأ الطّفل بالاهتمام بمحيطه بشكل مكثّف، ويحاول أن يلعب بكلّ ما يقع في يده، ويعمل الطّفل على امتلاك كلّ ما يوجد في محيطه، ويسعى إلى كسره أو تمزيقه، من أجل إثبات وجوده. والأطفال الّذين هم في هذا العمر يتصرّفون أساسا انطلاقا من عواطفهم ويكون اهتمامهم أقوى إزاء الأشياء الّتي تخاطب عواطفهم. لأن ذكاءه لم ينم لدرجة كبيرة بعد تجعله يدرك جميع المفاهيم أو يعرف كيف يتفاعل مع الأحداث الّتي تواجهه لهذا فالتّقليد هو السمة التي تميّز الأطفال بشكل خاصّ في هذا العمر.

والأطفال الّذين هم في هذا العمر يشعرون بالحاجة إلى اتّخاذ نموذج لهم يتّبعونه. والأشخاص الّذين يمكن للطّفل اتّخاذهم قدوة هم أفراد العائلة. وقد كشفت الأبحاث أنّ بيئة الطّفل (الأسرة) هي العامل الأكثر تأثيرا عليه، في طبيعة تصرّفاته ومواقفه الدّينيّة. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ؟ قال: "كل إنسان تلده أمه على الفطرة، وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه، فإن كانا مسلمين فمسلم"(رواه مسلم). فإذا كان الوالدان مسلمين يكون مسلما والحديث يشير بذلك إلى أهميّة الأسرة، وبشكل خاصّ إلى الوالدين في تكوين الإحساس الدّيني والفكري لدى الطّفل.

والأطفال في هذه السّنّ يستقبلون بكلّ تلقائيّة العبارات والسّلوك الدّيني وجميع العناصر الدينية الّتي يلاحظونها في أفراد العائلة ويعملون على تقليدهم باعتبارهم يمثّلون "النّموذج المثالي" بالنّسبة إليهم. وهذا الميل الفطري للتقليد لدى الطفل مصدره نفسية "تقليد المحبوب"، وهذا مهمّ جدّا فيما يتعلّق بتشكيل الحياة الدّينيّة لدى الطّفل. ومن هذا المنطلق على الأشخاص الّذين يتّخذهم الأطفال "نماذج" أن يكونوا حذرين إزاء ما يصدر عنهم من كلمات ومن تصرّفات. فالوالدان اللذان يوجّهان النّصح لأطفالهم بغاية تغذية المشاعر الدّينيّة فيهم، ينبغي أن لا يتعارض كلامهم مع حياتهم العمليّة، بل وينبغي أن يؤكد الكلام بالعبادات مثل الصّلاة والصّيام والدعاء والحج والإنفاق. فعندما لا يكون كلامهم الجميل متوافقا مع سلوكهم، وعندما تكون أعمالهم غير منسجمة مع أقوالهم فإنّ ما يصدر عنهم من كلام لن يتجاوز آذانهم، بل إنّه في بعض الأحيان يصبح لهذا الكلام تأثير عكسيّ.

أقرأ هذا الكلام واستغفر الله وأدعوه : اللهم اغفر لنا وهيأ لنا من أمرنا رشدا عندما نفتح التلفزيون على القنوات الفضائية الاخبارية والرياضية والترفيهية و .. و ..

وفى المرحلة الثالثة عندما يلاحظ الطّفل أنّ والديه يبدآن بالاستعداد للصّلاة مع سماع الأذان، سيجد نفسه بعد فترة من الزّمن ما إن يُرفع الآذان حتّى يسارع الطّفل إلى القيام، ويقول لهما "حيّ على الصّلاة"، وهو بتلك الحركة يريد أن يثبت ذاته وينبغي أن يقول الولدان للطّفل بأنّه يتعيّن عليه أن يدعو الله تعالى من أجل تحقيق حاجاته وعلى هذا النّحو يترسّخ في ذهنه أنّ الله تعالى هو ملجأه الوحيد ومن ناحية أخرى يجب أن نعلّم الطّفل الإيمان بالله وفوائد العبوديّة لله تعالى ونشرح له مساعدة الله لعباده المؤمنين.

كيف تكون أبا ناجحا؟

وعند القيام بهذه العمليّة يمكننا أن نستعين في ذلك بالحكايات والقصص الّتي تشدّ انتباه الطّفل ولا أقصد قصص السباقات وحكايات العنف والخيال الجامح التى تقتحم بيوتنا عن طريق الفضائيات وإنما الحكايات والمناقب التي لها صلة بالإيمان وتدل على أنّ وراء الأشياء الماديّة قوة أخرى ولهذا السّبب يتعيّن أن نقصّ على الأطفال قصص الأنبياء الموجودة في القرآن، وكذلك حياة النّبي صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى مشاهد البطولة والصّبر الّتي ميّزت حياة الصّحابة الكرام، والعزم والجهد الّذي أبدوه.

وفى هذه المرحلة أيضا يجب تحصين الأبناء من عقوق الوالدين - لأن أبناءهما من بعدهما لن يعرفا معنى الحب والرحمة وكل الخوف أن يصبح الأبناء الذين يمارسون العقوق أو الجفوة أو أي شيء من هذا القبيل يمثلون نماذج لأبنائهم - بمشاهدة الأبناء للتطبيق العملي: ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه, فانحدرت صخرة من فوق الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا : إنه لاينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجلٌ منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران, وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً, فنأى بي طلب الشجر يوماً , فوجدتهما نائمين, فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً, فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي!!! فاستيقظا فشربا غبوقهما!!!

هذا الرجل ربىّ أولاده- عملياً - على بر الوالدين فها هم يبكون من شدة الجوع وهو ماضٍ فى منعهم من أجل والدية الكبيرين اللذين قدمهما عليهم!!.