|
الدّين القيّـم يعالج النفوس ، ويربّي فيها الوجدان الخلقي ، والاجتماعي ، والشعور الديني .. ومن ثم تظهر خير أمة أخرجت للناس ، في واقع الحياة والسلوك! تربية الوجدان الخلقي الآيات والأحاديث في هذا المقام يطول ذكرها ، ويكثر تعدادها، وحسبنا قول الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)! (آية 12 سورة الحجرات) نبصر في هذه الآية سياجاً في المجتمع الفاضل الكريم، حول حرمات الأشخاص وكراماتهم وحريّـاتهم - كما في الظلال- بينما هي تعلّم الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم في أسلوب مؤثر عجيب! وتبدأ بذلك النداء الحبيب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)! ثم تأمر باجتناب كثير من الظن ، فلا يتركوا أنفسهم نهباً لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك ، وتعلّـل هذا الأمر: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)! وما دام النهي منصبّـاً على أكثر الظن ، والقاعدة أن بعض الظن إثم ، فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيّئ أصلاً ، لأن الإنسان لا يدري أيّ ظنونه تكون إثماً! بهذا يطهّـر القرآن الضمير من داخله أن يتلوّث بالظن السيّئ ، فيقع في الإثم ، ويدعه نقيّـاً بريئاً من الهواجس والشكوك ، أبيض يكن لإخوانه المودّة التي لا يخدشها ظن السوء، والبراءة التي لا تلوّثها الريب والشكوك، والطمأنينة التي لا يعكّـرها القلق والتوقّـع ، وما أروح الحياة في مجتمع بريء من الظنون! بيد أن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب، فهذه الآية الكريمة تقيم مبدأ في التعامل ، وسياجاً حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمع إسلامي نظيف شريف عفيف ، فلا يؤاخذون بظنة ، ولا يحاكمون بريبة ، ولا يصبح الظن أساساً لمحاكمتهم ، بل لا يصحّ أن يكون أساساً للتحقيق معهم ، ولا للتحقيق حولهم! ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء، مصونة حقوقهم، وحريّـاتهم، واعتبارهم، حتى يتبيّـن بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه ، ولا يكفي الظن بهم لتعقّـبهم بغية التحقيق من هذا الظن الذي دار حولهم! فأيّ مدى من صيانة كرامة الناس وحريّـاتهم وحقوقهم واعتبارهم تنتهي إليه هذه الآية الكريمة؟ وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا ، وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلاً ، وحقّـقه في واقع الحياة ، بعد أن حقّـقه في واقع الضمير؟! روى ابن كثير عن عمر الفاروق رضي الله عنه أنه قال: لا تظنّـنّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً ، وأنت تجد لها في الخير محملاً! وروى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله: (إيّـاكم والظنّ، فإن الظنّ أكذب الحديث ، ولا تجسّـسوا ولا تحسّـسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخواناً) ! ثم يزيد الأمر في ضمانات المجتمع إلى مبدأ آخر يتّـصل باجتناب الظنون : ( وَلاَ تَجَسَّسُوا)! والتجسّـس قد يكون هو الحركة التالية للظن ، وقد يكون حركة ابتدائيّـة لكشف العورات ، والاطلاع على السوءات! والقرآن الكريم يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقيّـة ، لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتـتـبّع عورات الآخرين وكشف سوءاتهم ، وتماشيّـاً مع أهدافه في نظافة الأخلاق والقلوب! ولكن الأمر أبعد من هذا أثراً ، فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسة في نظامه الاجتماعي ، وفي إجراءاته التشريعيّـة والتنفيذيّـة! إن للناس حريّـاتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنـتهك في صورة من الصور ، ولا أن تمسّ بحال من الأحوال! ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس آمنين على أنفسهم ، آمنين على بيوتهم ، آمنين على أسرارهم ، آمنين على عوراتهم ، ولا يوجد مبرّر - مهما يكن - لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات ، حتى ذريعة تـتبّـع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعةً للتجسس على الناس ، فالناس على ظواهرهم ، وليس لأحد أن يتعقّـب بواطنهم ، وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم ، وليس لأحد أن يظن أو يتوقّـع ، أو حتى يعرف أنهم يزاولون في الخفاء مخالفةً ما ، فيتجسّـس عليهم لضبطهم! وكل ما له عليهم أن يأخذهم بالجريمة عند وقوعها وانكشافها ، مع الضمانات الأخرى التي ينصّ عليها بالنسبة لكل جريمة ! وهكذا أخذ منهج الدّين القيّـم طريقه في النظام العمليّ للمجتمع الإسلاميّ ، ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب ، بل صار سياجاً حول حرمات الناس وحقوقهم وحريّـاتهم ، فلا تمسّ من قريب أو بعيد ، تحت أيّ ذريعة أو ستار! فأين هذا المدى البعيد ؟ وأين هذا الأفق السامق؟ وأين ما يتعاجب به أشدّ الأمم ديمقراطيّـة وحريّـة وحفظاً لحقوق الإنسان بعد ألف وأكثر من أربعمائة عام! ويجيء النهي عن الغيبة في تعبير عجيب ، يبدعه القرآن إبداعاً: (وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ)! ويعرض مشهداً تـتأذّى له أشدّ النفوس كثـافةً ، وأقلّ الأرواح حساسيةً .. مشهد الأخ يأكل لحم أخيه ميتاً!
ويبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز ، وأنهم كرهوا الاغتياب! ويعقب على كل ما نهاهم عنه من ظنّ وتجسّـس وغيبة باستجاشة شعور التقوى، والتلويح لمن اقترف شيئاً أن يبادر بالتوبة تطلّعاً للرحمة: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)! ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة ، فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس ، وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب! يروي مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي (قال: أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " ذكرك أخاك بما يكره " قال : أرأيت إن كان فيه ما أقول ؟ قال : " فإن كان فيه ما تقول ، فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ، فقد بهتّـه "! وهكذا نبصر المجتمع الإسلامي في تلك الصورة المثاليّـة الفريدة واقعاً في واقع التاريخ! وفي النهي عن الكبر والعجب والخيلاء: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)! ( آية 37 سورة الإسراء ) وفي التحذير من التسرّع في الحكم على الآخرين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)! (آية 6 سورة الحجرات) وفي التـنفير من جريمة الزنى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً)! ( آية 32 سورة الإسراء ) وفي الحث على غضّ البصر وطهارة الذيل : ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) ! ( آية 30 سورة النور ) هذه قطرات من بحر ! ففي القرآن الكريم آيات كثيرة يطول ذكرها ، ويكثر تعدادها ، تدعو إلى الفضيلة ، لما فيها من طهر وسمو ، وينهى فيها عن الرذيلة ، لما فيها من فحش وسقوط ، بغضّ النظر عن كل اعتبار آخر ، غير الاعتبار الأخلاقي ! هذا هو تقدير الأعمال بقيمها الذاتيّـة ، وذلك كله إيقاظاً لضمائرنا ، وإنارة السبيل أمام أحكامنا الأدبيّـة ، حتى إذا قمنا بأيّ عمل بعد ذلك استطعنا أن نحكم عليه ، وعلى أنفسنا ! فإن جاء طبق هذه الخطوط المرسومة المستـقيمة ، محقّـقاً لهذه المثل العليا ، شعرنا بالرضا والطمأنينة ، وقرّت أعينـنا بهذا التوفيـق : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ) ! ( آية 8-9 سورة الغاشية ) وإن جاء منحرفاً عن هذا الطريق المستقيم ، نازلاً عن هذه الدرجة الرفيعة ، شعرنا بالندم ، وقاسينا الوخز الداخليّ ، والتأنيب القلبيّ : ( فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ ) ! ( آية 153 سورة آل عمران ) ( لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) ( آية 1-2 سورة القيامة ) وفي التحريض على مجازاة السيئة بالحسنة ، بل بما هو أحسن الحسنات : ( وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ! ( آية 34 سورة فصلت ) ( وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاً يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْـلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَـئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)! ( آية 40-43 سورة الشورى ) تربيـة الوجـدان الاجتـماعـي ويأتي الحديث عن تربية الوجدان الاجتماعي، والشعور بالمسؤوليّـة أمام الناس.. وقد رأينا القرآن الكريم يزوّد محكمة الضمير بالمصابيح التي تبرز أمامها كل عمل من أعمالنا ، وتصوّر ما في طبيعته من حُسْنٍ وجمال ، أو تـشويه ودمامة ، أو خير أو شر ! ورأيناه يعرض علينا عمل هذه المحكمة في تحضير قضاياها ، وفي إصدار أحكامها ! فلننظر إليه الآن وهو يوقظ شعورنا بوجود محكمة أخرى خارج النفس ، هي محكمة المجتمع الذي يراقب أعمالنا ، ويصدر عليها أحكامه ! أحكام ماديّـة تارة ، وأدبيّـة تارة أخرى ! ويحذّرنا من الوقوع تحت طائلة هذه الأحكام ! ومعلوم أن المحكمة التي تصدر النوع الأول هي المحكمة الرسميّـة ، محكمة الدولة ! وفي الوقت نفسه يعترف الإسلام بمحكمة أخرى هي محكمة الرأي العام ، التي قال فيها : ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
) ! ( آية 105 سورة التوبة ) وتلك هي التي تصدر الأحكام الأدبيّـة ، التي يرفع الله بها أناساً ، ويخفض بها آخرين ! فإذا مدحت أحداً بحق ، أو ذممت أحداً بحق ، كان حكمها من حكم الله ! |