العالمية - محرم - 1427 هجرية - فبراير2006 م - العدد (190) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

   

ولــكــم فيمـا سبـقــكـم عـظـة وعبـــرة

 

الـــنــيــة مـــطــيــــة

حكايات يرويها يوسف اللهو

 

مواقف الرجال: تحسب لهم أو عليهم، وقد تذهب مع الأيام عظة وعبرة، وهكذا كان الكثرة من رجال بلدي الكويت، حتى عرف الالتزام بوعودهم والصدق في معاملاتهم فكان كل من يتعامل معهم في البيع والشراء أو غير ذلك يجد فيهم التقوى امتثالاً لقوله تعالى (إن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون النحل 128).

ويغلب عليهم الورع يرجون أن يصدق عليهم قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم (ملاك الدين الورع).

وهذه حكاية من كتاب (حكايات من الكويت) لفضيلة الشيخ المرحوم بإذن اللّه عبد اللّه النوري يتجلى فيها قوله صلى اللّه عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات).

الحكاية

هكذا كان الامر عندما وقف الحاج تقي على محل عبدالعزيز يسأله عن كمية كبيرة من القهوة كانت عنده.

قال تقي: هل تبيعني القهوة يا أبا محمد؟

قال عبدالعزيز: بكم؟

فعرض تقي على عبدالعزيز سعراً لها كان يكسب عبدالعزيز ربحاً وهو يرغب بأكثر منه.

ولم يجب عبدالعزيز، ودخلا في موضوع آخر ثم تشعب بينهما الحديث وتركا موضوع القهوة وقام تقي إلى محله، وكان عبدالعزيز قد نوى البيع على تقي وأضمره في نفسه وتقي لا يعلم بهذه النية لأنها كانت بعد فراقهما.

وكانت العادة أن يقول البائع للمشتري (اللّه يفتح عليك) ولم يقلها عبدالعزيز.

وكان الناس يذهبون إلى أعمالهم مبكرين وكانت البركة في البكور، يخرج الإنسان من بيته بعد طلوع الشمس مباشرة، وتعلو الشمس قدر رمح فتعمر الأسواق بالناس،ويعود الناس إلى منازلهم قبيل الظهر أو قبله بساعة إذا كان الوقت صيفا، وفي الشتاء يعودون من السوق إلى المساجد لصلاة الظهر ومنها إلى البيوت.

أما العمل مساء فالتوقيت فيه بين صلاتي العصر والمغرب، يخرجون إلى المساجد لصلاة العصر ومنها إلى الأسواق، وقبيل المغرب يذهبون إلى المساجد استعداداً لصلاتها ثم إلى البيوت صيفاً وشتاءً.

نسي تقي القهوة، وبعد مضي أيام ارتفع سعر القهوة ثم زاد السعر وعبدالعزيز لم يتصرف بها، وراجعه تجار فقال لهم ليس عندي قهوة، وأرسل عبدالعزيز على تقي ليأتيه، وجاء تقي.

قال عبدالعزيز: شيل قهوتك يا تقي ومعنى شيل انقل.

ولكن تقي فتح عينيه وقال أي قهوة؟

قال: التي اشتريتها مني قبل أسبوعين.

تذكر تقي الأمر وقال: نعم سمت منك القهوة فلم تبعني ولم تقل لي (اللّه يفتح عليك).

قال عبدالعزيز: ولكنني نويت البيع عليك.

قال تقي: ولكني لم أنو الشراء منك.

قال عبدالعزيز: شيل قهوتك يا رجل.

قال تقي: ليس لي عندك قهوة.

وطال بينهما الجدل وذهب تقي إلى محله وتبعه عبدالعزيز يسأله باللّه أن يشيل القهوة خوفاً أن يجره بقاؤها الى الحرام؟

ولم يرض تقي بذلك لأنه لا يرضى بالحرام يدخل في رزقه فيمحق بركته.

قال عبدالعزيز: سارفع ضدك دعوى الى الشيوخ، وكلمة الشيوخ تطلق عرفاً على امير البلاد وحده.

قال تقي: وهل الشيوخ أو من هم اكبر من الشيوخ يجبرون الناس على اكل الحرام.

وولى عبدالعزيز مسرعاً ليرفع الى الشيخ عبداللّه الصباح شكوى ضد تقي.

وضحك الشيخ فرحاً بما فطر عليه شعبه من تمسك بالشريعة وتحر للطيبات من الحلال وبعد عن الطمع الذي جر الناس الى الحرام، ومن الحرام الى الشح الذي اهلك الامم الماضية بما جلب لها من فساد.

وحضر المتخاصمان وقال لهم الشيخ عبداللّه: كلاكما صادق وقضيتكما لا اريد احالتها الى المحكمة، لاني سأفصل بها صلحاً امتثالاً للامر الرباني الكريم (واصلحوا بين اخويكم واتقوا اللّه لعلكم ترحمون) والصلح خير ونسأل اللّه للجميع الرحمة، فهل ترضون بالصلح؟

قالاً: الصلح خير ولكن نخاف من الحرام فأبعدنا عنه وفقت للخير.

قال عبدالعزيز: أنا نويت البيع وكأني بعت ولكن لم اقل له بعتك.

وقال تقي: انا لم اشتر يا شيخ وهو اقر الآن بأنه لم يبع.

قال الشيخ: هل ترضون بحكمي سألتكما فأجيباني؟

قال عبدالعزيز: قد أتيناك راضين ولأمرك طائعين.

قال الشيخ الامير: حكمت صلحاً بأن يأخذ تقي نصف القهوة بالثمن الذي نويت يا عبدالعزيز به البيع عليه، وأن يبقى لك نصف القهوة تبيعها لمن تشاء بسعر الوقت الحاضر، وقوما راشدين إن شاء اللّه.

واطاعا الامر وربح كل من نصيبه خيراً كثيراً.

رضي عبدالعزيز بهذا، وحاول تقي أن يتخلص لكن الامير قال له: لقد حكمت وكنت راضياً بحكمي وبشرطي عليكم. والصلح سيد الاحكام، والمؤمنون عند شروطهم.

وشرب الناس القهوة وقام المتخاصمان المصطلحان يستأذنان الخروج وقد اخذ كل واحد منهما بيد الآخر.

وبكى الامير فاستنكر الحاضرون منه بكاءه وسألوه ما يبكيه فقال: ذكرت الكلمة المأثورة (كل عام ترذلون).

اما واللّه اني لاخاف اشد الخوف من زمان سيأتي لا يعرف فيه الناس حلالاً ولا حراماً يعرفون المنكر وينكرون المعروف.

وقال القوم (نعوذ باللّه من ذلك "يا طويل العمر").

وانتهت الجلسة. وذهب المال وذهب الرجال وبقي فراغ، ولكنه فراغ مليء بذكر حسن تتحدث به الاجيال جيلاً بعد جيل، يقص الاب على ابنه حديث الماضي لعل الابن يتحلى بتلك المكارم ويتجمل بتلك الفضائل التي ورثها الآباء عن الاجداد.

اخلاق عرب مسلمين أدّبهم بها دين اللّه الحق وقد كان أدبهم القرآن.

ايها القارئ الكريم في عالمنا العربي الاسلامي كيف تجد واين تجد مثل هذه الحكاية الحقيقية التي حصلت في هذا البلد الصغير في مساحته الكبير في معاملات اهله الذين يحرصون ان يكون لتعاليم الدين والخلق الكريم وحسن النية التي عليها يجازي الانسان على أعماله النصيب الأكبر حتى سبقتهم السمعة الطيبة الى كل مكان يتجهون اليه فكان يكفي ان يعرف الناس ان هؤلاء القوم من الكويت فيفتحون لهم أبواب القلوب قبل أبواب التعامل، فيا أيها الآباء والأبناء الذين لم يعيشوا تلك الحقبة من الزمن التمسوا سيرة من سبقكم ولتكن لكم فيما سبقكم عظة وعبرة.. وفقك اللّه لكل خير.