|
بعد رحيل أي قائد أو زعيم عن الحياة، جرت العادة أن يتعرض تاريخه للمحاكمة، ماذا قدم لشعبه! ماذا انجز لوطنه؟ ما الاسهامات التي حققها لصالح امته؟ وقلما نجد في هذا العصر من تنتهي صفحة حكمه ولم يحل الى المحاكمة القانونية والمثول امام القضاء اذا كان على قيد الحياة، او الى المحاكمة الادبية اذا كان قد فارق الحياة. بيد أن ما حدث في الكويت مؤخراً بعد وفاة سمو امير الكويت الراحل الشيخ جابر الاحمد الجابر الصباح هو شيء مختلف ونادر، فقد عبر الشعب الكويتي بجميع فئاته وشرائحه وتياراته وقواه السياسية والشعبية والخيرية عن حزنه الشديد وألمه العميق لرحيل الشيخ جابر، معدداً مآثره ومناقبه وانجازاته السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والخيرية ليس على المستوى المحلي فقط بل على المستوى الاقليمي والخليجي والعربي والاسلامي والعالمي أيضاً. واللافت للنظر ان الشيخ جابر - رحمه اللّه - من ابرز القادة والزعماء الذين حظوا بمكانة خاصة في قلوب الشعوب والجماهير ليس في الكويت وحدها بل في جميع أنحاء العالم الاسلامي حتى عرف بأنه امير القلوب، امير الخير، جابر الخير، امير العطاء، ابو التنمية، ابو الاقتصاد وغير ذلك من الالقاب التي تعكس مدى الحب الحقيقي الذي حظي به الامير الراحل. وتعددت مظاهر التعبير عن هذا الحب من خلال التظاهرات والمسيرات العفوية التي اعقبت وفاة الامير الراحل، وتجلت في كم المسيرات ومحافل التأبين التي نظمتها جهات شعبية مختلفة للثناء على فترة حكم الامير الراحل وتبيان انجازاته الكبيرة، فقد تحدث السياسيون والبرلمانيون عن انجازاته على الصعيد السياسي والديمقراطي وما آلت اليه الكويت من تطور نوعي على هذا المسار، جعل الديمقراطية الكويتية نموذجاً يحتذى في المنطقة ويشار اليه بالبنان، كما تحدث الاقتصاديون وخبراء التنمية ورجال الاعمال عن دوره الريادي التنموي في بناء نهضة الكويت وازدهارها وتقدمها، واكد رجال العمل الخيري ان الامير الراحل كان محباً للعمل الخيري ومؤمنا برسالته وداعماً لمسيرته ومساهماً في بناء مشاريعه الخيرية والانسانية، واكد القانونيون حرص الامير الراحل على صيانة القانون والدستور، واشار الطلاب الى دعمه للحركة الطلابية وتشجيعه للطلاب على البحث والعلم، وعبر فقراء المسلمين عبر الهيئات الخيرية والاسلامية ومكاتبها في الخارج عن المهم لفقدان هذا القائد الكبير الانسان الذي كان خير داعم للاعمال الانسانية في الداخل والخارج، وتوالت برقيات العزاء في وفاة الامير الراحل. هذه التظاهرة من الحب الحقيقي ليست شيئاً كثيراً على حاكم عرف بالتواضع والبساطة بين ابناء شعبه، فقد رفض اطلاق اسمه على بعض المعالم في الكويت كما يصنع بعض الزعماء في دول العالم الثالث رغم انه يستحق ذلك بجدارة لان اسهاماته عليها واضحة وبصماته مشهودة. والى جانب ذلك كان الامير الراحل حريصاً على تطبيق الشريعة الاسلامية ففي اعقاب تحرير دولة الكويت من الغزو العراقي الغاشم اسس اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق احكام الشريعة الاسلامية بهدف تهيئة الاجواء واعداد القوانين الاسلامية، وتنقية القوانين المعمول بها من كل ما يخالف الشريعة الاسلامية، وكان سموه حريصاً على ان يلقي كلمة روحانية رقيقة ابان العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، ليحث فيها الشعب الكويتي على التمسك بالدين وتعاليمه السمحة وقيمه النبيلة، والاقتداء بسيد الخلق صلى اللّه عليه وسلم. رحل جابر الخير وامير العطاء عن هذه الدنيا الفانية بجسده، وبقيت انجازاته واعماله الخيرية والتنموية التي تشكل نموذجا يحتذى لكل من يريد ان يحتل هذه المكانة المرموقة في قلوب ابناء الامة. رحم اللّه امير القلوب فقد حظي بحب الجميع، ونسأل اللّه ان يتغمده بواسع رحمته وان يسكنه فسيح جناته وان يتقبل هذه الاعمال الصالحة في ميزان حسناته. |