العالمية - محرم - 1427 هجرية - فبراير2006 م - العدد (190) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

ماذا يقول العلماء عن حادث رمي الجمار؟

 

 

  الحجيج على جسر رمي الجمرات بمنى

 

تحقيق- حسونة حماد

 

لم يكد المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يُكملون فرحتهم بعيد الأضحى المبارك حتى جاءت الأنباء بما لا يسر أحدًا؛ فقد لقي حوالي 363 حاجًّا حتفهم في موضع منى حيث يتم رمي الجمرات.

والمؤسف أنَّ هذا الحادث قد تكرر في السنواتِ السابقة على نحوٍ مخيفٍ، ففي عام 1990م استشهد 1426 حاجًّا ولحقهم 181 حاجًّا في 1999م، ثم ارتفع الرقم إلى 251 في عام 2005م، وفي مطلع العام 2006م كان الحادث المؤسف قد أودى بحياة 363 من حجاج بيت الله الحرام ضيوف الرحمن نسأل الله أن يتقبلهم في الصالحين.

والسؤال المطروح اليوم هو كيف يتم تفادي مثل هذه الحوادث مستقبلاً؟
وما دور العلماء والفقهاء في اقتراح الحلول المناسبة حفاظًا على حياةِ الحجاج؟
وإلى أي مدى يمكن الاستفادة من الرخص التي أمرنا بها الرسول- صلى الله عليه وسلم؟

طرحنا هذه الأسئلة على عدد من العلماءِ والفقهاء فكان هذا التحقيق:


 د. العسال: التيسير من معالم التشريع الإسلامي

يقول الدكتور أحمد العسال- رئيس الجامعة الإسلامية بباكستان سابقًا- إنَّ أي أخطاءٍ تحدث في الحجِّ سببها أمران الأول: عدم فقه المسلمين بالفريضةِ التي يؤدونها والأمر الثاني هو التخلف.

وبالنسبة للأمر الأول: فإنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، بل أنزل الله عليه في أولِ الوحي قوله تعالى: ?اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)? (سورة العلق)، وقد ترجم الإمام البخاري في بابِ العلم وقال باب العلم قبل العمل وقبل النية فإنه من صحيحِ العبادة، واستفاد بقوله تعالى ?فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ? (محمد: من الآية 19)، وأورد هذه الكلمة الصالحة التي تقول: "من عمل في غير علم كان ما يُفسد أكثر مما يصلح، ومن هنا فإنَّ هذا الدين سمَّاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالحنفية السمحاء، وكان يقول لأصحابه: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا"، وقال رب العزة في وسط آيات الصيام ?يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ? (البقرة: من الآية 185)، وقال أيضًا ?وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ? (الحج: من الآية 78)، واعتبر العلماء اليسر ورفع الحرج وقلة التكاليف هي من أُسسِ التشريع الإسلامي.

ثم إنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- لما حجَّ بالناسِ قال: "خذوا عني مناسككم"، وجاء في المنطقةِ الحساسة وهي يوم النحر ما سُئل عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال: "افعل ولا حرج"، بل إنه في رميه جمرة العقبة وهو واقف جاء إليه أعرابي وقال: يا رسول الله، لم أستطع أن أرمي إلا وقد جاء المساء فقال: "لا حرج"، ثم إنَّ عندنا قاعدةً ممتازةً في الأيامِ الثاني والثالث والرابع وهي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يصدر منه ما يمنع عند الحاجة أو الضرورة في أن يتأخَّر الرمي إلى ما بعد المغرب.

وقد رأيناه- صلى الله عليه وسلم- في رواية البخاري أنه سمح للنساءِ بالرمي مساءً، وهذا يدلُّ على أنَّ تأخير الرمي إلى الليل عذر جائز ولا دم على المعذور، وكذلك فإنَّ عمر- رضي الله عنه- لم يرم الجمرة من بطن الوادي بل رماها من فوق تفاديًا للزحام.

ويضيف د. العسال: وإنَّ علماءَ الأمةِ منذ عهد التابعين إلى اليوم ألفوا شيئًا يقال له القواعد الفقهية، المأخوذة من نصِّ الأحاديثِ والآيات الكريمة فهم يقولون الأمور بمقاصدها ويأخذون بقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات"، ولا تُعتبر الشكلية مهمة في كلِّ أعمال المسلمين.

والقاعدة الثانية العظيمة هي أنَّ المشقة تجلب التيسير، وما حدث في منى كان بسببِ أنَّ بعض الحجيج يرى أنَّ الحجَّ أو رمي الجمرات وظيفة يُريد أن ينتهي منها ويرجع دون أن يُدرك أن من منع طعامًا أو شرابًا أو أذى إنسانًا فقد أراد في البيت إلحادًا وظلمًا، فكيف يجرؤ على أن يدهس أخاه وهو يعلم أنَّ هذه القضيةَ حدثت أكثر من مرةٍ ثم إنَّ العالمَ ينظر إلينا كيف يتعبَّد هؤلاء لله ويتزاحمون حتى يقتل بعضهم بعضًا!

أما الأمر الثاني وهو التخلف فيمكن في إدارة الحج، وإدارة الحج يجب أن تكون بطريقة توعية الحاج لعدم الوقوع فيها، وهذه هي مسئولية تضامنية لا تقتصر على السلطاتِ السعودية فقط بل يشترك فيها جميع المسلمين.

وأقول كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لفقيه واحد أشد على الشيطانِ من ألف عالم"، وكما قال علي- رضي الله عنه-: "قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك".
 

تراكم الأخطاء
الشيخ الخطيب: مطلوب توعية الحاج قبل سفره

ويُعلِّق الشيخ محمد الخطيب- من علماء الأزهر- قائلاً: إنَّ فتاوى التيسير تتعلق بالحقيقةِ نفسها؛ لأنك عندما تجمع مليونين ونصف المليون في مكانٍ يأخذه 50 ألفًا ويعملون نفس العمل حرفيَّا فهذا إما جهل للواقع أو سوء تصرف، ومنذ زمن بعيد قلنا إنَّ الرمي يكون من أول اليومِ وتُعطى الفرصة حتى آخره.

وما حدث هو عملية أخطأء تراكمت رغم محاولاتِ توسعة الأمر، ورفع الأدوار لتيسير هذا الأمر، لكن هذا ليس حلاً كاملاً، فالحوادث تكررت كثيرًا، ويجب الرجوع إلى خبراء عالميين ليبدوا رأيهم في الوسيلةِ الآمنة، وهذه مسائل أصبحت ضرورية؛ لأن حياةَ الناس ليست بهذه السهولة، خاصةً وأنَّ فيهم المريض وكبير السن، وأول الحلول أن تنتهي فكرة الرمي قبل الزوال أو بعده والتي أصبح لها مكانٌ في ظلِّ هذا العددِ الكبير جدًّا، وأنَّ الضرورات تُبيح المحظورات والتمسك بالحرفية تؤدي إلى حدوث مثل هذه الكارثة، ولا بد أيضًا لاشتراك أكثر من جهةٍ لإيجادِ حلٍّ لهذه المشكلةِ حتى لو أدَّى الأمر إلى الاستعانةِ بخبراء غير مسلمين، وفي تصوري أنَّ الحاجَّ يجب توعيته وتعليمه المناسك، قبل الخروج من بلده لأداءِ فريضة الحج.

نظام حازم
د. المطعني: أدعو لمؤتمر دوري لتأمين سلامة الحجاج

ويقول الدكتور عبد العظيم المطعني- الأستاذ بجامعة الأزهر- إنَّ موسمَ الحج يحتاج إلى نظامٍ حازمٍ ووعي عند الحجاج، ولا بد من منعِ مثل هذه الأسبابِ، وعلى كل مسئول كبير أن يكون واحدًا من الحجاج لا يتميز عنهم لأنَّ هذا ليس شرعيًا، وكان جميع ولاة المسلمين يطوفون مع الناس دون تمييز أحد منهم، ولذلك لما حجَّ أحد الخلفاء العباسيين وبدأ الحراس عملية ضرب الحجاج وإبعادهم عن الطريق، فصرخ فيهم وقال: "حجَّ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- واعتمر وحج أصحابه- رضوان الله عليهم- واعتمروا ولم يحدث ضرب أحد أو تمييز على أحد، فمَن يقول ذلك الآن".

والحج في الأصلِ درس للتساوي فكوننا نخص بعض الناس بمميزات معينة فهذا لا يجوز شرعًا.

والحلُّ من وجهةِ نظر الدكتور المطعني هو إعادة النظام الحازم، وكذلك تقسيم الحجاج إلى دفعات يسمح لها بالتقدمِ وتنصرف إلى غير الجهةِ التي جاءت منها، وهكذا.

وهناك حل إضراري وهو تقليل عددِ الحجاج ليكون مثلاً مليون ونصف بدلاً من 2 مليون، واقترح منع حج الذين سبق أداؤهم للفريضة؛ لأنه إذا استمرَّ تكرار ما حدث فقد يأتي اليوم وأن يمر عرفات ولا يقف عليه أحد وسيكون نحن جميعًا المسئولين عن ذلك، وعلى جميع الدول أن تتحكم في منعِ تكرار الحج لأكثر من مرة، وأن يتم عمل مؤتمرٍ دائمٍ للخبراءِ وأصحاب الآراء والعلماء ليتبادلوا الحلول النافعة لتأمين سلامة الحجاج.

تقسيم الأفواج
د. الفرماوي: الحادث يسيء إلى صورةِ الإسلام

ويؤكد الدكتور عبد الحي الفرماوي- الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر- أنَّ المشكلةَ تكمن في وعي المسلمين، والتساؤل هنا إلى متى نظل في غيابٍ عن الوعي؟ علمًا بأن التيسير سمة الإسلام وهناك شبه إجماع على أنَّ الرمي يكون خلال 24 ساعة، وأنَّ المسألةَ تحتاج إلى نوعٍ من الشدةِ في التفويج في رمي الجمرات بمعنى أن يتم تقسيم الحجاج إلى عدةِ أفواج على مدارِ اليوم فمثلاً حجاج تركيا يكون من الساعةِ كذا إلى الساعة كذا، وحجاج مصر من الساعة كذا إلى الساعة كذا.. وهكذا أو أن يتم تحديد شوارع منى شوارع للذهاب وشوارع للعودة من رمي الجمرات.

كل ذلك إلى جانبِ ضرورة توعية المسلمين قبل الخروج وإعطائهم دروسًا عمليةً وتوعيةً كاملةً قبل السفر، وعلى كل بلدٍ أن يقوم بذلك في جميعِ أنحاء العالم لأنَّ تكرارَ هذه الحادثة يُعطي انطباعًا سلبيًّا عنَّا لدى العالم الخارجي ويجعلهم يقولون ما يشاءون (دون علم): إنَّ المسلمين يتقاتلون من أجلِ الحجارة؛ ولذلك نحن في حاجةٍ ماسةٍ جدًّا إلى احترامِ النظام؛ لأن العبادات التي يقوم بها المسلمون جميعها تُعلمنا النظام.