العالمية - محرم - 1427 هجرية - فبراير2006 م - العدد (190) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

تطوير برامج إعداد الدعاة استجابة لمستجدات العصر ضرورة شرعية

 

تحقيق -  أحمـد مصطفى عبد الله *

 

يدعو كثير من علماء الأمة ومفكريها إلى تحديث وتطوير الخطاب الإسلامي لمواكبة التغيرات التي تشهدها المرحلة الحالية، ومواجهة تحدياتها.

وتتوازى هذه الدعوات مع دعوات أخرى لإعادة النظر في مناهج وبرامج إعداد الدعاة استجابة لمستجدات العصر، خاصة في مجالات الاتصالات والمعلومات، فالدين الإسلامي بمصادره وأصوله هو القوى الرئيسية التي تتصدى لمتغيرات الحياة بمجالاتها المختلفة، سواء أكانت اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو اجتماعية، فالمتلقي في النهاية لابد أن يعود إلى دينه متمثلا في دعاته والمتخصصين فيه لمعرفة الرأي القاطع في مستجدات ومستحدثات الافكار، وما يترتب عليها من تكنولوجيا تقتحم خصوصياته، ولم يكن له عهد بها في سنوات مضت.

ويعد الدعاة الذين يحملون أمانة توصيل رسالة الإسلام إلى جمهور متعطش لمعرفة رأي الدين في كل صغيرة وكبيرة هم الحلقة الأقوى في العملية الاتصالية في مجال الدعوة الإسلامية، فما هي الاحتياجات التدريبية للداعية حتى نصل في النهاية إلى إعداد داعية يسهم بشكل فعال في تنمية وطنه وخدمة مقاصد الشريعة الإسلامية، وما مدى موافقة الدعاة على تطوير الخطاب الديني؟

د. عبد العليم العدوي: مطلوب تنويع أساليب الدعوة تبعا
لطباع الناس واختلاف مشاعرهم ومستحدثات حياتهم

في البداية يؤكد الدكتور عبد العليم العدوي رئيس قسم التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر أن الدعوة إلى الله عز وجل من اعظم القربات، وكفاها عزا وفخرا أنها وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذه المهمة جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ملقاة على عاتق العلماء المخلصين والدعاة الصادقين، لقوله صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية"، وهذا أرفع أنواع العلم.

ويضيف الدكتور العدوي قائلا: إذا كانت هذه هي مهمة الدعاة، فإنه من الواجب الاهتمام بطريقة إعداد الدعاة وتحمل هذه المسئولية، وذلك عن طريق الاهتمام بتحفيظ القرآن الكريم، بحيث يكون موصولا بكل المراحل التعليمية، بدءا من روضة الأطفال حتى المدرسة والمرحلة الإعدادية ثم الثانوية والكليات على اختلاف تخصصاتها، وأيضا الاهتمام بفقه الداعية، بحيث يكون على بصيرة بجميع المستجدات العصرية التي تناسب عصره الذي يعيش فيه، فيعرف أصول الفقه وقواعده وأساليبه ومناهجه، ويعرف أن الإسلام رسالة عامة تامة كاملة شاملة مثالية واقعية، صالحة لكل زمان ومكان، وللناس جميعا. إن الإسلام كل متكامل عقيدة وشريعة وعبادة ومعاملة وأخلاقا، فيجب أن يراعي الداعية مقتضى الحال، وأن ينوع أساليبه ومنهجه تبعا لتنوع طبائع الناس واختلاف مشاعرهم وأحاسيسهم وعواطفهم وعقولهم وأحوالهم وحياتهم.

عوامل النجاح

ويقول الدكتور العدوي: إن القدوة الحسنة الطيبة من عوامل نجاح الداعية في الدعوة إلى الله عز وجل، ولهذا أمر الله المؤمنين بأن يكون قدوتهم وأسوتهم الداعية الأول محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً".

وتتمثل القدوة الحسنة في اتباعه وفي التخلق بمكارم الأخلاق التي كمل الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، من العفو والصفح والحلم والجود والكرم والصدق والأمانة والطهارة والعفاف والحياء، وكل ما من شأنه تزكية النفس وصلاح الإنسان واستقامة الناس في هذه الحياة.
   

أخطاء الخطاب الإسلامي
د. جعفر عبد السلام: ينبغي الوقوف على مواطن القصور في
إعداد الدعاة ومعالجتها بما يتاح من وسائل وآليات

ويدعو الدكتور جعفر عبد السلام الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية إلى ضرورة الاعتراف بأخطاء الخطاب الإسلامي المعاصر والتخلص منها.

ويقول: إن قضية إعادة النظر في الخطاب الإسلامي المعاصر إحدى القضايا الهامة التي تشغل امتنا في الوقت الحاضر، والواقع أن القضية تشغل عقل المفكرين المسلمين منذ الصحوة التي انبعثت فيهم في أواخر القرن الماضي، والصحوة أتت من مناظرة واقع المسلمين ومقارنتهم بباقي شعوب العالم الذين يعيشون فيه.

ولابد من الاعتراف بقدر من الأخطاء في خطابنا الإسلامي المعاصر، وأعني بهذا الخطاب جميع صور التعبير التي تنطلق من أجهزة الخطاب في بلادنا الإسلامية، أي الكلام والكتابة والإشارة والإذاعات المرئية والمسموعة وأفضل تعبير عن الخطاب الإسلامي المعاصر هو خطبة الجمعة ومختلف الدروس والعظات التي تعطي في مساجدنا ومراكزنا الثقافية المختلفة في كثير من الدول العربية والإسلامية.

ويعتبر المسجد وخطبة الجمعة بالذات وسيلة التثقيف والتعليم الديني للأميين بمختلف فئاتها، ولكننا نعرف أن نسبة الأمية مرتفعة في الدول العربية والإسلامية، ولعل هذا يتطلب أن يكون الخطاب الإسلامي الصادر منها قويا ومتنوعا في الوقت نفسه، بحيث لا يجيء الكلام على المنابر إلا حيا بحياة الوقت، فيصبح الخطيب ينتظره الناس في كل جمعة انتظارا للجديد، سواء كان ذلك داخل الدول الإسلامية أو في الدول الأجنبية.

شروط مهمة

ويمضي الدكتور جعفر عبد السلام قائلا: لابد فيمن يتصدى لواجب الدعوة الإسلامية أن تتوافر فيه عدة شروط مهمة.. ومنها:

- الإلمام بعلوم القرآن والسنة، وسعة المعرفة، بحيث يكون ملما بأبجديات العلوم الإنسانية ومراعاة مقتضى الحال، لأن لكل مقام مقالا.

- الإلمام بفقه الأولويات، بحيث لا يخلط بين الأولويات والثانويات.

- العناية بالكتاب الإسلامي باعتباره أحد الوسائل المهمة للتعريف بالإسلام ومواقفه من مختلف قضايا العصر، فليس من المعقول أن يعنى الكتاب الإسلامي بقضايا هامشية وغير أساسية في الدين على حساب قضايا المسلمين المصيرية المعاصرة.

كما أن المسئولين عن العمل الإعلامي يجب أن يوظفوا كل ما يبث لخدمة الدعوة، وقد يكون العمل الدرامي المتقن في الموضوع وفي السيناريو وفي التعبير عن القيم الدينية بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال القدوة الحسنة التي هي أبلغ في التأثير من إحضار شخص يجلس على كرسي ويتحدث في الدين.

إننا بحاجة إلى عقول وأفئدة المسلمين لكي يكتبوا موضوعات تصلح للبث تستوحي من التاريخ والعقيدة والقيم الإسلامية والتشريع الإسلامي، كما أننا نحتاج إلى مجهود ضخم لبعث التراث من أمهات الكتب الإسلامية بشكل ميسر، وأن نسهل استيعاب الوسائل الحديثة له ليتمكن رجال الإعلام والخطاب الإسلامي من أن ينهلوا منها في الأعمال المختلفة التي يقومون بها.
 

أصل ثابت
د. عبد الصبور شاهين: لا يجوز استخدام وسائل محرمة
لتحقيق أهداف دعوية نبيلة وهادفة

ويقول الدكتور عبد الصبور شاهين الأستاذ بجامعة القاهرة: إن وسائل الدعوة هي أدواتها، والادوات تتبدل وتتغير بتغير الزمان والمكان، كآلات الحرب والزراعة والكتابة والنقل ونحوها، فهي وسائل توقيفية اجتهادية نابعة من اصل ثابت هو قوله تعالى: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".

كما أن هذه الوسائل تعتبر معابر وطرق الوصول إلى الأهداف المنشودة، فكما أن الهدف المنشود في الدعوة نبيل، فلابد أن تكون الوسائل كذلك، ولا يصح القيام بوسائل محرمة لتحقيق أهداف نبيلة.

ويضيف الدكتور شاهين قائلا: إن أهم ما يميز الداعية المخلص هو التزامه بما يدعو اليه، ولا يفوتنا قول البشير النذير صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟" ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت أمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه".

وقد تتعرض بعض الوسائل الدعوية لبعض العوارض أو المعوقات، وهذا أمر طبيعي يتكرر دائما نظرا للصراع الدائم بين الحق والباطل، لذا على الداعية الحكيم الانتقال إلى وسائل أخرى وما أكثر البدائل، بل إن في الحكمة التي ينبغي أن يتصف بها الدعاة مراعاة الظروف الزمانية والمكانية للوسيلة المراد تطبيقها، فيأخذون بالمناسب من الوسائل، ويؤجلون غيرها إلى فرص أخرى.
 

* أحمد مصطفى عبد الله

جمهورية مصر العربية

الجيزة _ امبابة

بشتيل البلد -24 شارع فارس حجازي متفرع من شارع الحرية