العالمية - محرم - 1427 هجرية - فبراير2006 م - العدد (190) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

"خير أمة " ودورها في بناء المجتمع الإنساني

 

 

بقلم: د. سعد المرصفي أستاذ الحديث وعلومه

 

ظهر المسلمون، وتزعّـموا العالم، وعزلوا الأمم المريضة من زعامة الإنسانيّـة التي استغلّتها ، وأساء ت عملها ، وساروا بالإنسانيّـة سيراً حثيثاً متّـزناً عادلاً ، وقد توافرت فيهم الصفات التي تؤهّـلهم لقيادة الأمم ، وتضمن سعادتها وفلاحها في ظلّهم، وتحت قيادتهم !

لقد جاءت هذه الأمة المسلمة لتنشئ في الأرض طريقها على منهج الله وحد ه ، متميّـزة متفرّدة ظاهرة !

وانبثـق وجودها ابتداء من منهج الله .. فهي صاحبة كتاب منزل ، وشريعة إلهيّـة، لتؤدّي في حياة البشر دورًا خاصّـاً لا ينهض به سواها ، فقد وجدت لإقرار منهج الله في الحياة ، وتحقيقه في صورة واقعيّـة ، ذات معالم منظورة ، تُـترجم فيها النصوص إلى حركات وأعمال ، ومشاعر وأخلاق ، وأوضاع وارتباطات !

وهي لا تحقّـق غاية وجودها ، ولا تستقيم على طريقها ، ولا تنشئ في الأرض هذه الصورة الوضيئة المضيئة الفريدة من الحياة الواقعيّـة الخاصة المتميّـزة ، إلا إذا تلقّـت من منهج الله وحده ، وإلا إذا تولّت قيادة البشريّـة بما تتلقّـاه !

لقد وجدت لقيادة البشريّـة .. وفي ظل هذه القيادة تنمو العقول وتتفتّـح على ما في الكون وأسراره ، وتسخّـر قواه وطاقاته ومدّخراته .. كل هذا لخير البشريّـة ، لا للتهديد بالخراب والدمار ، والضياع والبوار !

ومن ثم نقرأ : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) !(آية 143 سورة البقرة)

فالأمة الإسلاميّـة هي الأمة التي تشهد على الناس جميعاً ، فتـقيم بينهم العدل والقسط ، وتضع لهم الموازين والقيم ، وتبدي فيهم رأيها ، فيكون هو الرأي المعتمد ، وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعائرهم ، فتفصل في أمرها ، وتقول : هذا حق، وهذا باطل ، لا التي تتلقّـى من الناس تصوّراتها وقيمها وموازينها ، وهي شهيدة على الناس ، وفي مقام الحكم العدل بينهم !

وبينما هي تشهد على الناس هكذا ، فإن الرسول ( هو الذي يشهد عليها ، فيقرّر لها موازينها وقيمها ، ويحكم على أعمالها وتقاليدها ، ويزن ما يصدر عنها ، ويقول الكلمة الأخيرة !

وبهذا تـتحدّد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها .. لتعرفها ولتشعر بضخامتها ، ولتـقدّ ر دورها حق قدره ، وتستعد له استعداداً لائقاً!

ونقرأ: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (آية 110 سورة آل عمران)

والتعبير بكلمة ( أُخْرِجَتْ ( يلفت النظر ، وهو يكاد يشي بالقدرة المدبّـرة اللطيفة ، تخرج هذه الأمة إخراجاً ، وتدفعها إلى الظهور دفعاً من ظلمات الغيب ، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله !

إنها كلمة تصوّر حركة خفيفة المسرى ، لطيفة الدبيب .. حركة تخرج على مسرح الوجود أمة ذات دور خاص ، لها مقام خاص ، ولا حساب خاص !

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)!

وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ، لتعرف حقيقتها وقيمتها ، وتعرف أنها (أُخْرِجَتْ) لتكون طليعة ، ولتكون لها القيادة ، بما أنها خير أمة !

واجبـنا فـي الحـياة

والله عزّ وجلّ يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الحياة .. ومن ثم لا ينبغي لخير أمة أن تتلقّـى من غيرها من أمم الأرض قاطبة .. وإنما ينبغي دائماً أن تعطي هذه الأمم مما عرفته من كتاب ربّـها وسنّـة نبيّـها .. من الاعتقاد الصحيح ، والتصوّر الصحيح ، والنظام الصحيح ، والخُلق الصحيح ، والعلم الصحيح!

هذا واجبها الذي يحتّـمه عليها مكانها القيادي ، وتحتّـمه عليها غاية وجودها!

واجبها أن تكون في الطليعة دائماً ، وفي مركز القيادة دائماً .. ولهذا المركز تبعاته ، فهو لا يؤخذ ادعاء ، ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلاً له!

وهي بتصوّرها الاعتقادي ، وبنظامها الاجتماعي أهل له .. فبقي عليها أن تكون بتقدمها العلمي ، وبعمارتها للأرض - قياماً بحق الخلافة - أهلاً له كذلك!

وبهذا يتبيّـن أن المنهج الذي تـقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير، ويدفعها إلى السبق في كل مجال فيه الخير.. لو أنها تتبعه وتلتزم به ، وتدرك مقتضياته وتكاليفه!

وفي مقدمة مقتضيات هذه المكانة ، أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد .. وأن تكون لديها القوّة التي تمكّـنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهي خير أمة أخرجت للناس ، لا عن مجاملة أو محاباة ، ولا عن مصادفة أو جزاف ? تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً!

إنه النهوض بتكاليف الأمة الخيّـرة ، بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب ، وبكل ما في طريقها من أشواك!

إنه التعرّض للشر ، والتحريض على الخير ، وصيانة المجتمع من عوامل الفساد!

وكل هذا متعب وشاق ، ولكنه ? كذلك ? ضروري لإقامة المجتمع الإنساني وصيانته ، ولتحقيق الصورة التي يحبّ الله أن تكون عليها الحياة!

ولابدّ من الإيمان الصحيح ليوضع الميزان الصحيح للقيم، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر ، فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي ، فقد يعمّ الفساد ، حتى تضطرب الموازين وتختـل ، ولابدّ من الرجوع إلى تصوّر ثابت للخير والشر، وللفضيلة والرذيلة ، وللمعروف والمنكر ، يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال!

وهذا ما يحقّـقه الإيمان ، بإقامة تصوّر صحيح للوجود وعلاقته بخالقه ، وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون!

ومن هذا التصوّر تنبثق القواعد الأخلاقيّـة .. ومن الباعث على إرضاء الله والبعد عما لا يرضاه ، يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد .. ومن سلطان الله في الضمائر وسلطان شريعته في المجتمع ، تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك!

فـتن في الطـريق:

ومعلوم أن الرسول (مكث بمكة ثلاث عشرة حجة ، يدعو إلى الله وحده ، والإيمان برسالته ، واليوم الآخر في صراحة ووضوح ، لا يستكين ولا يحابي ولا يداهن ، ويرى في ذلك دواء لكل داء!

وقامت قريش ، وصاحوا به ، من كل جانب ، ورموه عن قوس واحدة ، وأضرموا البلاد عليه نارًا ، ليحولوا بينه وبين أبنائهم وإخوانهم ، فأصبح الإيمان به ، والانحياز إليه ، جدّ الجدّ ، لا يتقدّم إليه إلا جادّ مخلص ، هانت عليه نفسه ، وعزم على أن يقتحم لأجله النيران ، ويمشي إليه ولو على حسك السعدان ، فتـقدّم فتـية من قريش ، لا يستخفهم طيش الشباب ، ولا يستهويهم مطمع من مطامع الدنيا .. إنما همهم الآخرة ، وبغيتهم الجنّـة ، سمعوا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربّـكم ، فضاقت عليهم الحياة الجاهليّـة بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وقـلقت بهم مضاجعهم ، فكأنهم على الحسك ، ورأوا أنهم لا يسعهم إلا الإيمان بالله ورسوله ، فآمنوا وتقدّموا إلى النبي ( ، وهو في بلدهم وبين سمعهم وبصرهم ، فكانت رحلة طويلة شاقة لما أقامت قريش بينه وبين قومه من عقبات ، ووضعوا أيديهم في يديه ، وأسلموا أنفسهم وأرواحهم إليه ، وهم من حياتهم على خطر ، ومن البلاء والمحنة على يقين!

سمعوا قول الله: (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)! (آية 1-3 سورة العنكبوت)

وعلموا الإيمان الحق جهاداً يحتاج إلى صبر ، وجهداً يحتاج إلى احتمال .. وأن الله عزّ وجلّ يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء .. بيد أن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله ، غير معلوم للبشر ، فيحاسبهم على ما يقع من عملهم .. وهو فضل من الله من جانب ، وعدل من جانب ، وتربية للناس من جانب ، فلا يأخذوا أحداً إلا بما استعلن من أمره ، وبما حقّـقه فعله ، فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه!

والإيمان أمانة الله في الأرض ، لا يحملها إلا من هم لها أهل ، وفيهم على حملها قدرة ، وفي قلوبهم تجرّد لها وإخلاص ، وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة ، وعلى الأمن والسلامة ، وعلى المتاع والإغراء!

وإنها لأمانة الخلافة في الأرض ، وقيادة الناس إلى طريق الله ، وتحقيق منهجه في الحياة .. فهي أمانة كريمة ، وهي أمانة ثـقيلة ، وهي من أمر الله ، يضطلع بها من آمن ، ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء!

ومن الفتنة أن يتعرّض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ، ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه ، ولا يملك النصر لنفسه ولا المنعة ، ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان!

وهذه هي الصورة البارزة للفتنة ، المعهودة في الذهن ، حين تذكر الفتنة .. ولكنها ليست أعنف صور الفتنة!

فتن كثيرة في صور شتّـى

فهناك فتن كثيرة في صور شتّـى ، ربما كانت أمرّ وأدهى! هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعاً ، وقد يهتـفون به ليسالم أو ليستسلم ، وينادونه باسم الحبّ والقرابة ، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك!

وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين ، ورؤية الناس لهم ناجين مرموقين ، تهتف لهم الدنيا ، وتصفّـق لهم الجماهير، وتتحطّم في طريقهم العوائق ، وتصاغ لهم الأمجاد ، وتصفو لهم الحياة .. وهو مهمل منكر لا يحسّ به أحد ، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيـئاً!

وهناك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة ، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله غارقاً في تيّـار الضلالة ، وهو وحده موحش غريب طريد!

وهناك فتنة من نوع آخر ، قد نراها بارزة في هذه الأيام .. فتنة أن يجد المؤمن دولاً غارقة في الرذيلة ، وهي مع ذلك راقية في مجتمعها المادّي .. متحضّـرة في حياتها الماديّـة ، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان من الناحية الماديّـة ، ويجدها غنيّـة قويّـة ، من الناحية الماديّـة ، وهي مشاقة لله!

الفتـنة الكــبرى:

وهناك الفتنة الكبرى .. أكبر من هذا كله وأعنف .. فتنة النفس والشهوة ، وجاذبيّـة الأرض ، وثـقلة اللحم والدم ، والرغبة في المتاع والسلطان ، أو في الدعة والاطمئنان ، وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان ، والاستواء على مرتقاه ، مع المعوّقات والمثـبّـطات في أعماق النفس ، وفي ملابسات الحياة ، وفي منطق البيئة ، وفي تصورات أهل الزمان!

فإذا طال الأمد ، وأبطأ نصر الله ، كانت الفتنة أشدّ وأقسى ، وكان الابتلاء أشدّ وأعنف .. ولم يثبت إلا من عصم الله ، وهؤلاء هم الذين يحقّـقون في أنفسهم حقيقة الإيمان ، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى .. أمانة السماء في الأرض ، وأمانة الحق في ضمير الإنسان !