|
مجلة العالمية
دعت إلى تعميق صفات التسامح والأمر بالمعروف في نفوس الأبناء " 2- 2 "
د. سعاد البشر : المربي الناجح يتمتع بالحكمة والعلم والأمانة والصدق والحزم
ترسيخ القيم الإسلامية في نفوس الأبناء يتطلب مربيا ناجحا وصاحب مجموعة من الصفات
المتمثلة في الحكمة والعلم والأمانة والصدق والحزم والحب، حتى تؤتي التربية ثمارها
، هذا ما تؤكده أستاذة علم النفس الإكلينيكي د.سعاد البشر في الجزء الثاني من
دراستها المهمة " دور الآباء في غرس القيم الايجابية لدى الأبناء" .
و عن الامانة تقول الدكتورة البشر انها فضيلة أخلاقية حث عليها الاسلام، فلقد لقب
الرسول بالصادق الأمين، حيث رسخ في امته الامانة لكونها ركنا عظيما من اركان
الإيمان بالله، والأمانة تكون في حفظ المال عند غياب صاحبه وحفظ النفس من الغش في
الامتحان وحفظ الامانة التي ائتمننا الله عليها، فبترسيخ هذه القيمة في نفوس
الابناء نضمن تفاعلهم مع الآخرين بكل اخلاص ووفاء.
خصلة الصبر
اما خصلة الصبرالتي يجب ان يتحلى بها المربي فقد قال تعالى: (واصبر على ما اصابك)
فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على اذاهم افضل من المؤمن الذي يخالط الناس ولا
يصبر على اذاهم، فقيمة الصبر من القيم العظيمة الجليلة التي تزرع في النفوس تأجيل
الشهوات والتعود على عدم الاستعجال في تحصيل المطلوب والمراد فقيمة الصبر تزيد
الفرد وقارا وحكمة وبصيرة في الحكم على الامور.
ويجب على الوالدين ان يغرسا في أبنائهم – كما تقول الدراسة – صفة التسامح اي الصفح
عمن اخطأ في حقك او تجاوز حده، او اختلف معك اختلافا غير أخلاقي، فهو قيمة أخلاقية
عظمى، وانتصار لروح الخير والأخلاق في النفس الإنسانية على روح الشر من الاستجابة
لنزغات الشيطان. والتسامح هو أساس التعامل الذي يفترض ان يحكم علاقة الناس بعضهم
ببعض، أما الإصرار على رفض التسامح فهو إصرار على إلحاق الأذى بالنفس قبل الآخرين،
وهو اصرار على المعاناة الشخصية في مواجهة قلب يموج بذكريات مؤلمة عن الآخرين.
ونحن نحتاج الى المسامحة من أنفسنا ومن الآخرين، وكثير من الناس يتألم لأخطائه
الماضية ويظل يحملها، فلابد ان يكون متسامحا مع نفسه، وقادرا على نسيان اخطائه
الماضية.
وأشارت الى ان اسلوب التربية المتبع داخل الاسرة له انعكاساته سلبا او ايجابا على
اكتساب سلوك التسامح لدى الطفل، فيجب ان تكون بيوتنا منتديات حوارية مفتوحة لأفراد
الاسرة كافة، ولنشجع ابناءنا على تقبل الرأي الآخر من خلال تقبل آرائهم. (ان احسنتم
احسنتم لأنفسكم وان اسأتم فلها) ويستطيع الآباء ترسيخ سمة التسامح من خلال لغة
التواصل مع الابناء، يشجعونهم عليها ويمارسونها من خلال المواقف والتفاعل معهم.
المـــربي الناجح
الصدق التزام الحقيقة قولا وعملا، والصادق بعيد
عن الرياء في العبادات والفسق في
المعاملات
وشددت د. سعاد البشر على مجموعة من الصفات التي يجب ان يتمتع بها المربي الناجح
القادر على ترسيخ هذه القيم، فقالت: ان صفات المربي الناجح كثيرة ومتعددة، اوردت
لها كتبا وافردت لها ابوابا، ولكن من اهمها: الحكمة والعلم والامانة والصدق والحزم
والحب، وفيما يلي نورد بعض لهذه التفصيلات المهمة:
الحكمة ففي الحكمة، قال تعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) والمراد
بالحكمة الاصابة في القول، وقيل الخشية، وقيل الفهم عن الله، وقيل العقل، وقيل ما
يشهد العقل بصحته، وقيل نور يفرق بين الالهام والوسواس، وقيل سرعة الجواب مع
الاصابة، ومن الحكمة ايضا تحكيم العقل وضبط الانفعال وعدم التناقض بين الحين
والآخر، ومنها ايضا ضبط عملية التربية والاتفاق بين الأبوين على التربية الإسلامية
المعتدلة، واستخدام الكلام المناسب في الموقف والوقت المناسب، حتى تصل الموعظة
للابناء بطريقة ميسرة ومفهومة، فعلى سبيل المثال ليس من الحكمة ان نضرب ابناءنا على
الصلاة وهم ابناء اربع سنوات.
العلـــــــــم
وذكرت ان من الادوات المهمة ومن العدد الرئيسية في التربية العلم، فمن لا يعلم كيف
له ان يعلّم، فلابد ان يكون لدى الآباء قدر من العلم الشرعي، اضافة الى فقه الواقع
المعاصر، ونقصد بالعلم الشرعي علم الكتاب والسنة، وهذا القدر من العلم المطلوب
يتوقف عليه معرفة عبادة يريد فعلها، او معاملة يريد القيام بها، فاذا كان المربي
جاهلا بما امره الله فكيف لاولاده ان ينشأوا بعد ذلك نشأة صحيحة؟!
قيمة الأمـــــانة
واما ما يتعلق بصفة الامانة، فقد قال صلى الله عليه وسلم : »كلكم راع وكلكم مسؤول
عن رعيته « فمن حمل الامانة والتزم بها في شكلها الظاهر والباطن وحمل على عاتقه
مسؤولية تربية ابنائه، حرص عليهم وهيأ لهم سبل الراحة، وكان لهم خير قدوة في
التعامل وفي الخلق وفي النصح، فليستبشر خيرا بهم، ولم لا وهي امانة خفيفة سهلة
ميسرة؟! كما لا ينسى المربي قول رسولنا الكريم ژ عن اهمية النصح وتقديمه للابناء
بأسلوب مهذب وجذاب يرتقي الى مستوى عمر الولد، حيث قال: «من استرعاه الله رعية ولم
يحطها بنصيحة الا لن يجد رائحة الجنة « فلنحاول قدر المستطاع ان نحفظ الامانة التي
استرعانا الله اياها.
فضيلة الصــــــدق
وبخصوص الصدق، ذكرت انه التزام الحقيقة قولا وعملا، والصادق بعيد عن الرياء في
العبادات، والفسق في المعاملات، فهو بعيد كل البعد عن اخلاف الوعود وشهادة الزور،
كما انه لا يعرف طريقا للخيانة ولا دربا للنكاية، فالاب الصادق مع نفسه ومع ابنائه
ومع اقربائه ومع عمله فهو بلا شك انسان واضح، موثوق به، يتحلى بصفة جلية امر بها
الله ووصف بها احب الناس الى رسول الله ژ وهو ابوبكر الصديق ے، فالتزم بها ايها
الاب المخلص، ولتكن شعارك في المعاملات سواء مع ابنائك او امامهم.
الحـــــــــزم
وأما الحزم فبه قوام التربية والحازم هو من يضع الامور في مواضعها، فلا يتساهل حين
توجب الشدة، ولا يتشدد في حال اللين والرفق، والحزم صفة مطلوبة لتربية جيل قوي،
قادر على مواجهة الازمات، شامخ في وجه التحديات، ذي همة عالية وغاية سامية، فعليك
ايها الاب الحازم ان تلزم ابناءك بما يحفظ دينهم وعقولهم وان تحول بينهم وبين
رغباتهم التي تضر دينهم ودنياهم، وان تلزمهم مراعاة العادات والتقاليد في مجتمعهم.
عاطفـــة الحـــب
وتابعت حديثها عن صفة الحب، هذه الكلمة التي تتردد على ألسنة الكثير من الآباء تجاه
ابنائهم دائما، فيقول الاب عندما يوبخ ابنه على فعلة فعلها انني اوبخك لأنني احبك،
وعندما يقوم الولد بعمل شيء جيد فإن الاب يقول له احبك، وعندما يضرب بعض الآباء
ابناءهم وتسألهم بعد ذلك لماذا ضربتهم، يقول لأنني احبهم واخاف عليهم، فلهذا
ضربتهم، وهنا عند النظر للمواقف سابقة الذكر نرى مدى اختلاط المفاهيم وضياع المعنى
الحقيقي للحب.
قصة سيدنا لقمان مثال للحكم البليغة
والغايات سامية والتربية الإسلامية
واستعرضت د.سعاد البشر قصة سيدنا لقمان وكيفية غرسه للقيم في ابنه فقالت: قص القرآن
الكريم علينا القصص ليس للتسلية، ولكن للعبرة، حيث ان وراء هذه القصص حكما بليغة
وغايات سامية، ومقاصد شريفة، ومرامي عالية، حيث اشتمل على فصول في الاخلاق ما يهذب
النفوس ويجمل الطباع وينشر الحكمة والآداب، باستخدام طرق مختلفة في التربية كالحوار
والحكمة والاعتبار وباستخدام اسلوب الوعظ والنصيحة واسلوب التخويف والانذار.
وزادت: قام سيدنا لقمان بغرس اهم القيم في نفس ابنه، وحاول ترسيخها بالنموذج الفعال
وبالسلوك الموجه، فمن وصاياه:
١ - بر الوالدين (ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين
ان اشكر لي ولوالديك الي المصير)، ان الرابطة الاولى بعد رابطة العقيدة، هي رابطة
الاسرة، ومن ثم يربط السياق بر الوالدين بعبادة الله والتحذير من الشرك اعلاء لقيمة
هذا البر عند الله. ان الولدين يندفعان بالفطرة لرعاية اولادهما، ويضحيان بكل ما
يملكان لرعايتهم، وهما سعيدان بذلك، ولكن الاولاد سرعان ما ينسون هذا كله ومن ثم لا
يحتاج الآباء للتوصية على ابنائهم انما يحتاج الانباء الى استجاشة وجدانهم بقوة
ليذكروا واجب الجيل الذي انفق رحيقه كله عليهم. ومن هنا تأتي الوصية بالوالدين في
صورة تكليف من الله يحمل معنى الامر المؤكد بعد عبادة الله والنهي عن الشرك. فوصى
لقمان ابنه ببر الوالدين وهو بالاحسان اليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل
الجميل والتواضع لهما واكرامهما، واجلالهما، والقيام بمؤونتهما واجتناب الاساءة اليهما من كل وجه بالقول
والفعل.
٢ - محاسبة الله للعبد: (يا بني انها ان تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة او في
السماوات او في الارض يأت بها الله ان الله لطيف خبير) أي ان المظلمة او الخطيئة لو
كانت مثقال حبة الخردل، فإن الله سيحضرها يوم القيامة فهي لا تخفى على الله، وهنا
يرسخ الوالد قيمة عظيمة وهي احاطة الله بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء اينما كان، ومن
هنا تأتي مراقبة الله في كل قول او فعل، فيتدرب الابن عليها فيتعلم ايضا الاحسان
وهو ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك.
٣ - الصلاة (يا بني اقم الصلاة) وورد ذكر الاقامة للصلاة، حيث فرق بين من يصلي ومن
يقيم الصلاة، فكم من مصل لا يعتبر مصليا لأنه لم يقم الصلاة، حيث امرنا سيدنا محمد
ژ بقوله »صلوا كما رأيتموني اصلي ،« ونحن نعلم ان الشيطان يقعد لابن آدم في جميع
طرق الخير حتى يسدها عليه كما اخبر الله عز وجل في كتابه (لأقعدن لهم صراطك
المستقيم) اي لأفسد عليهم اعمالهم الصالحة اما بتركهم متابعة سنن النبي، واما
بتركهم الاخلاص لله تعالى، وهذان شرطان لقبول العمل: الاخلاص، والمتابعة فاذا فقدا
او اختل واحد منهما رد العمل على صاحبه والعياذ بالله. فيعلم لقمان ابنه قيمة
الصلاة والخشوع فيها ومدى تأثيرها الجسمي والروحي والنفسي على الفرد، فيا لها من
قيمة عظيمة وعمود مهم لحياة البشرية.
٤ - الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض اكده الله عز وجل على عباده، فمتى تركوه
اوجبوا على انفسهم غضب الله ولعنته قال تعالى (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس
ما كانوا يفعلون) وكما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم " ان الناس اذا رأوا
منكرا فلم يغيروه يوشك ان يعمهم الله بعقابه ".
الأمر بالمعروف
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة من شعائر
الإسلام ودعامة راسخة من
دعائم المجتمع الرباني
وأكدت ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة من شعائر الاسلام ودعامة
راسخة من دعائم المجتمع الرباني دلت على ذلك النصوص وشهد به التاريخ ونطق به
الواقع، والأمة اليوم تحتاج الى احياء تلك الشعيرة وتقوية تلك الدعامة لتنفض عنها
بذلك ما علق بها من الغبار الذي اثاره عليها الكيد الخارجي والداخلي الذي لم يكن
ليفعل فعله لولا انحسار المفهومات الإسلامية لدى الأمة وبعدها عن دينها. الامر
والنهي فطرة في نفس كل انسان حتى لو كان يعيش منفردا معتزلا للناس فلابد ان أمره
نفسه وتنهاه، فان نفسك ان لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر.
وزادت: ان تعليم الأبناء أساليب وطرق الأمر بالمعروف فيما بينهم والنهي عن المنكر
يبعد الأبناء عن الكثير من المعاصي والانحرافات السلوكية التي قد يتعرضون لها، فهي
بلا شك قيمة دالة وشاملة على العمل الصالح. ان من اهم وسائل الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر: الكلمة الهادفة، الكتاب والكتيب، النشرة الصغيرة، الشريط الاسلامي،
والجريدة.
|