|
مجلة العالمية
الشريعة تؤكد أن القِوَامَة شورى ورحمة ومودّة
وليست رياسة قهر وتحكُّم واستبداد

" ميثاق الأسرة في الإسلام " وثيقة مهمة أصدرتها اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة
والطفل في المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة ، وقد اشترك في إعداده نخبة من
مفكري وعلماء الأمة يتقدمهم الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور أحمد العسال رئيس
الجامعة الإسلامية العالمية السابق والمفكر الإسلامي المعروف الدكتور محمد عمارة ،
والدكتور محمد الطبطبائي عميد كلية الشريعة في الكويت والدكتور عصام البشير وزير
الأوقاف السوداني السابق والمستشار فيصل مولوي والدكتور عبد المجيد الزنداني وغيرهم
.
وقد صدر الميثاق في كتاب يتألف 440 صفحة من القطع المتوسط ، وضم نصوص مواد الميثاق
، ومذكرة تفسيرية له ، أصل خلالها العلماء حقوق الأسرة في الإسلام تأصيلا شرعيا
منهجيا يجمع بين الأصالة والمعاصرة .
ويكتسب هذا الإصدار أهميته لصدوره في وقت تتعاظم فيه الحرب على الإسلام وتسعى
منظمات دولية لهدم مؤسسة الأسرة وإشاعة مفاهيم ثقافية غربية تتعارض مع القيم
والمبادئ الإسلامية ، ولأهمية هذه الوثيقة ستنشر " العالمية " نصوصها ومذكرتها
التفسيرية على حلقات ، آملة أن يكون هذا الإصدار إضافة للمكتبة الإسلامية :
الفصل الرابع
الزواج ونظام الأســـرة
يتحدث هذا الفصل عن المعالم الرئيسية للزواج ونظام الأســـرة في الإسلام؛ فقام
بتعريف الزواج، والإطار الشرعي له وتحريم ما عداه، وبين أنّ مظاهر الزواج تطورت
برُقِيّ الإنسان، كما بَيَّن نطاق الأسرة وامتدادها وأهمية الأسرة وضرورة وجود رئيس
لها، وحكمة تحريم زواج المحارم، وذلك من خلال ستّ مواد.
مــادة (10)
تعريــــــــف
الزواج في الإسلام: رابطة شرعية محكمة بين رجل وامرأة على وَجْهِ الدوام
والاستمرار، وتنعقد بالرضاء والقبول الكامل منهما وفْق الأحكام المُفَصَّلة شرعًا.
تعرِّف هذه المادة الزواج في الإسلام، وتصف هذه العلاقة بأنها شرعية ومحكمة فقد
سمّاها الله عز وجل ميثاقًا غليظًا، قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ
لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم
مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الروم:
21)، وقال جلَّ شأنه: {وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ
وأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظً}(النساء: 21)، وهذه الرابطة الشرعية إنما تكون
بين رجل وامرأة فقط لا غير، فالشريعة الإسلامية تحرّم الصور الشاذة التي يطلقون
عليها زورًا وبهتانًا اسم الزواج، سواء بين رجلين أو امرأتين أو الزواج الجماعي، أو
غير ذلك مما يزعمون أنه صور متعددة للزواج، وقد حرّم الإسلام كلَّ هذه الصور؛ لأنها
أنواع من الاقتران العقيم الذي لا يُنتج نسلاً يحفظ مسيرة البشرية، وتحريمها في
الشريعة الإسلامية أمر تؤكّده العديد من النصوص القطعيّة التي تحرّم الزنا واللواط
والسحاق، وتأمر بحفظ الفروج والأعراض وهي واردة بكثرة في القرآن الكريم والسنة
المطهرة ومعلومة لكافة المسلمين ولا داعي لذكرها.
كما تبيّن المادة أن هذه الرابطة لا بدّ وأن تكون على جهة الدوام والاستمرار؛ فعقد
الزواج عقد قائم على التأبيد لا على التأقيت اتفاقًا؛ فالنكاح المؤقت غير جائز،
سواء أكان بلفظ المتعة أم بلفظ التزويج، فعن سبرة الجهني - رضي الله عنه - أنه كان
مع رسول الله ((صلى الله عليه وسلم))، فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي كُنْتُ
أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاسْتِمْتَاعِ مِنْ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ
ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ
فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا»(حديث صحيح،
رواه أحمد ومسلم).
ولا ينعقد النكاح إلاَّ بالرضاء والقبول الكامل من كلٍّ من الزوجين؛ فالنكاح عقد
العمر والعقود في الشرع إنما تنبني على الرضا، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلا أَن
تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}(النساء: 29) ففي عقد النكاح من باب أولى.
ولا يصحّ زواج في شريعة الله إلا بموافقة المرأة ورضاها وإجازتها، ولا يجوز شرعًا
إجبارها على الزواج ممن لا ترضاه؛ فقد صحّ عن النبي ((صلى الله عليه وسلم)) جملة
أحاديث توجب استئمار الفتاة أو استئذانها عند زواجها فلا تُزَوَّج بغير رضاها، ولو
كان الذي يزوجها أبوها، منها ما في الصحيح عَنْ النَّبيِّ ((صلى الله عليه وسلم))
قَالَ: «لا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ وَلا الثَّيِّبُ حَتَّى
تُسْتَأْمَرَ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «إِذَا
سَكَتَتْ»(حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن
ماجة والدارمي)، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبيَّ ((صلى الله
عليه وسلم)) قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ
يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»(حديث صحيح، رواه
أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي).
فالفتاة صاحبة الشأن الأول في زواجها فلا يجوز لأبيها أو وليّها أن يُهْمل رأيها أو
يُغْفل رضاها، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أَنَّ جَارِيَةً بكْرًا أَتَتْ
النَّبيَّ ((صلى الله عليه وسلم)) فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ
كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ((صلى الله عليه وسلم)).
وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّ فَتَاةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ:
إِنَّ أَبي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بي خَسِيسَتَهُ((8))وَأَنَا
كَارِهَةٌ، قَالَتْ: اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ النَّبيُّ ((صلى الله عليه وسلم))،
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ((صلى الله عليه وسلم)) فَأَخْبَرَتْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى
أَبيهَا فَدَعَاهُ، فَجَعَلَ الأَمْرَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ أَلِلنِّسَاءِ
مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ؟(حديث صحيح، رواه النسائي).
مادة (11)
تحريم الاقتران غير الشرعي
الزواج الشرعي: هو الوسيلة المحدَّدَة على سبيل الحصر لإباحة اقتران الرجل بامرأة
والأساس الوحيد لبناء الأسرة.
وقد حَرَّمَ الإسلام كافّة الصور الأخرى للعلاقة بين الرجل والمرأة ولو سُمِّيَت
زُورًا باسم الزواج، كما حَرَّمَ كافّة الدواعي المؤدية إليها.
تتحدّث هذه المادة عن الزواج الشرعي باعتباره الوسيلة المحدَّدَة على سبيل الحصر
لإباحة اقتران الرجل بامرأة والأساس الوحيد لبناء الأسرة، وهو ما أقرَّتْهُ الشرائع
والأديان السماوية بأن يتم بالطريقة والشروط المبينة في تلك الشرائع والأديان، وليس
من طريق السفاح مثل أغلب أنكحة الجاهلية التي أبطلها الإسلام.
وللأسف فإن أغلب صور الاقتران الباطلة التي كانت في الجاهلية قد أصبحت منتشرة في
المجتمعات الغربية اليوم وتسمّى زورًا باسم الزواج، وقد سبق الحديث عن هذه الصور
عند الكلام على المادة (10).
مادة (12)
تطور مظاهر الزواج برُقِيّ الإنسان
خَلْقُ الإنسان من ذكر وأنثى، يكشف عن الإرادة الإلهية في جَعْلِ الزواج فطرةً
بشريةً وضرورةً اجتماعيةً ونظامًا أساسيًا لتكوين الأسرة والترابط الاجتماعي بين
الأسر.
وقد تطوّرت مظاهر الزواج ووسائله بمقدار رُقِيّ الإنسان عن باقي المخلوقات وأصبح
طريقًا لتزكية الجوانب الجنسية والسلوكية والاجتماعية في الإنسان.
تتحدّث هذه المادة عن مكانة الزواج ومنزلته في الإسلام؛ فهو فطرة بشرية كما قال
تعالى: {واللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وجَعَلَ لَكُم مِّنْ
أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ
يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}(النحل: 72)، ومن أجل هذا أنْكر
الرسول ((صلى الله عليه وسلم)) على من يترهّب فلا يقرب النساء بقوله: «أَمَا
وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ
وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ
سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(حديث صحيح، رواه البخاري)، كما أنه من سنة المرسلين قال
الله تعالى: {ولَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِّن قَبْلِكَ وجَعَلْنَا لَهُمْ
أَزْوَاجًا وذُرِّيَّةً}(الرعد: 38).
كما أنّ الزواج ضرورة اجتماعية ونظام أساسي لتكوين الأسرة والترابط الاجتماعي بين
الأسر، فحفظ النسل هو أحد مقاصد الشريعة الخمسة، ولا يُحْفَظ هذا النسل إلا
بالتزاوج في إطار الشرائع السماوية.((9))
وقد تطوّرت مظاهر الزواج ووسائله بمقدار رُقِيّ الإنسان عن باقي المخلوقات، فإذا
كان حفظ النسل هو أحد مقاصد الشريعة الخمسة فلا يعني هذا أن تكون وسيلة ذلك إباحة
اتصال ذكران بني الإنسان بإناثه على وجه الشيوع كما هو الحال بالنسبة للحيوانات؛
لأنّ هذا الأسلوب لا يليق بالإنسان وتكريم الله له ومكانته الممتازة بين مخلوقات
الله تعالى، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فِي
البَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى
كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيل}(الإسراء: 70)؛ ولهذا شرع الله تعالى الزواج
الشرعي وهو السبيل الوحيد لإيجاد النسل وبقاء النوع الإنساني في الأرض ما دامت
الحياة الدنيا قائمة، وهو السبيل اللائق بالإنسان.
والزواج في الإسلام طريق لتزكية الجوانب الجنسيّة والسلوكية والاجتماعية في
الإنسان؛ فتزكية النفس هو المطلوب الأسمى للمسلم، كما أنه سبب نجاة العبد يوم
القيامة، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى}(الأعلى: 14)، وقال تعالى:
{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ((*)) وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَ}(الشمس: 9-10).
ولا
تتحقق تزكية النفس -بعد توفيق الله- إلا بالمجاهدة لعيوب نفسه ولصفاته السيئة
بتهذيبها وتحسينها، بردِّها إلى حدّ الاعتدال والتوسط على معيار الشرع والدين،
وعليه فإن الزواج يعدّ أحد الوسائل التي جاء بها الشرع لتزكية النفس في الجوانب
الجنسية؛ بأن جعله وسيلة لتنفيس شهوة الفرج بما يُرْضِي الله كما قال تعالى: {قَدْ
أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ((*)) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ((*))
والَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ((*)) والَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ
فَاعِلُونَ ((*)) والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ((*)) إلا عَلَى
أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ((*))
فَمَنِ ابْتَغَى ورَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ}(المؤمنون: 1-7)، وقال
((صلى الله عليه وسلم)): «...وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟
قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ،
فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا»(حديث صحيح، رواه
أحمد ومسلم)، وقد وضع الشرع عددًا من الضوابط للتلاقي الجنسي بين الزوجين.
|