مجلة العالمية
|
الأسئلـة المشـــروعـة والأخــــــوة المفقــــودة |
 |
|
د. سعد
المرصفي - أستاذ الحديث وعلومه |
هل آن لنا أن نعود ـ بعد أن نالت منا الكوارث وفرّقتـنا السبل ـ إلى أخوة الإسلام، وصلة الأرحام، وإغاثة الملهوف، وردّ المظالم، والحفاظ على المقدّسات!
هل آن لنا أن ندرك ـ ونحن نتأمّـل ما في يد الغير من تفـوّق في العلم ـ أن قضيّـة العلم عندنا مشفوعة بقضيّـة الـدّين، فكلما ازددنا بالدين فـقهاً وسلوكاً سمونا في طريق العلم؛ لأن الـدّين القيّم دائماً يحثّ على المزيد؟!
{وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً «114»} (طـه) !
وأيّ خطى للعلم بلا دين تمضي إلى انحدار بالإنسان، وإن بدا لأَوّل وهلة في أعين الغافلين أنه في رفعة وصعود!
إن عاطفة الخير والبرّ والمودّة بين الإنسان وأخيه الإنسان لا يمكن أن تكون من إنتاج الماكينة في المصنع.. وإنما هي نتاج القلب الموصول بمصدر الخير!
هل آن لنا أن نعود عودًا حميداً، فنعيد لأمّـتنا خير ما تصبو إليه من عزّ، وما ترجوه من نصر؟!
إن الإنسانيّـة قد عانت وتعاني من السير مع مذاهب وأفكار منافية لفطرتها، بعيدة كل البعد عن تقدير كرامتها، ومراعاة حرمتها!
مذاهب لاقت معها تعاسة الدنيا دون أن تأمن سلامة الآخرة.. فغدت النفوس معها وبها صريعة يأس من دنيا ضائعة، وآخرة مضيّـعة!
هل آن لنا أن نرفع لواء الرحمة عالياً، وأن نخلص النيّـة والقصد لله جلّ شأنه؟!
هل آن للمسلمين أن يسلكوا بأنفسهم وبالناس طريق الرحمة.. ولهم من نور الرسالة نور.. ومن أخلاق النبي
صلى الله عليه و سلم وتجرّده ما يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟!
هل آن للمسلمين أن ينشدوا مرضاة ربهم، ويعلموا عن يقين أن الإنسانيّـة التي تـتلظّى بنار الفرقة لا يوحّـدها إلا منهج الله، ولا يبدّد ظلامها إلا نور الحق؟!
{وَمَن لَّمْ يَجْـعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ « 40»} (النور) !
ولا تجمعها في ساحة الأخـوّة والتراحم إلا العبوديّـة والإخلاص والتجـرّد لله وحده!
{أَلاَ لَهُ الْـخَلْقُ وَالأَمْـرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ « 54 »}(الأعراف) !
{قُلْ إِنَّ الأَمْـرَ كُـلَّهُ لِلَّهِ} (آل عمران: 154) !
{إِنِ الْـحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْـبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ «40»} (يوسف) !
هل آن لنا أن ندرك (ضرورة التلازم بين الخلق والأمر) التي نبصرها في هذه الآيات.. تلك الحقيقة الأوّليّـة الكبرى ومن ثم تتضّح كلمة الفصل في القضيّـة الأساسيّـة للحاكميّة والتشريع والتعبّـد؟!
هل آن لنا أن نبصر (طريق العصمة من التناقض والتطرّف)، والاختلاف الذي تعانيه المناهج والأنظمة البشريّـة والمحرّفة؟!
هل آن لنا أن نبصر البشر بتكوينهم يتـناقضون ويختـلفون.. من عصر إلى عصر.. بل في العصر الواحد من وقت إلى آخر.. ومن قطر إلى قطر.. بل في القطر الواحد من إقليم إلى آخر.. وفي الإقـليم الواحد من بيئة إلى أخرى.. وفي الأمّـة الواحدة من شعب إلى آخر.. وفي الشعب الواحد من فـئة إلى أخرى.. وفي الفئة الواحدة من فرد إلى آخر.. بل في الفرد الواحد من حالة إلى أخرى، ومن وقت إلى آخر؟!
هل آن لنا أن نبصر (طريق البراءة من التحيّـز والهوى).. مما لا يسلم منه إلا من اعتصم بالله؟!
{وَمَن يَعْـتَصِم بِاللّهِ فَـقَدْ هُـدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ «101)} (آل عمران)
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} (القصص: 50) !
ويقـف الإنسان أمام هذه النصاعة في التعبير، وهذا الحسم في التقرير، وهذا التوجيه الربّـاني بكل معطياته.. يقف ليبصر الطريق المستقيم، المبرّأ من التحيّـز والهوى، متمثّـلاً في الحكم بما أنزل الله عـزّ وجلّ!
هل آن لنا أن نبصر خصائص المنهج الربّـاني، لندرك التصوّر الإسلامي الشامل للوجود، والمعرفة الكاملة بحقيقة الإنسان ودوره في هذا الوجود؟!
وهل آن لنا أن نجعل من الإيمان حياة القـلوب، وقيمة تصغـر أمامها كل المناصب والرغائـب، فتـقوى بذلك نفوسـنا، وتعـزّ عند الله والناس؟!
{وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ « 36»} (الشورى)
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ «30» مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ «31» مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ «32»} (الروم) !
هذا هو الطريق المستقـيم.. الذي تستـقيم به الحياة، ويستقـيم الأحياء.. والذي يبصرنا بتوحيد الصراط والملة، وتوحيد المتّـجه والحركة، وتوحيد العبوديّـة والعبادة.. مع نظرة كاملة إلى الوجود كله وسنـنه ومقـوّماته.. ومن ثم يصبح أساساً لحياتنا ومقـدّراتنا.. ونبصر أن ليس في ديننا (ما لقيصر لقيصر، وما لله لله)! بل في ديننا:
{قُلْ إِنَّـنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْـتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّـلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْـمُشْرِكِينَ « 161» قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ «162» لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْـمُسْلِمِينَ « 163»}(الأنعام)!
إنها تسبيحة التوحيد المطلق، والعبوديّـة الكاملة، تجمع الصلاة والنسك، والمحيا والممات، وتخلص ذلك لله وحده.. في إسلام كامل، لا يستبقي في النفس، ولا في الحياة بقيّـة لا يعبّـدها لله، ولا يحتجز دون الحق شيئاً في الضمير ولا في الواقع!
هل آن لنا أن نبصر جميع قضايانا في ضوء هذه المعالم، وأن نعلم ـ ونحن نأخذ بالأسباب ـ أن لا شيء يحقّـق الخير لـ (خير أمّـة أخرجت للناس)، ويشحذ همّـتها مثل تـبادل الرأي والمشورة، فهو فضلاً عن كونه تكريماً للإنسان ثروة للأمّـة التي تنعم بمواهب أبنائها، والإفادة بكفاياتهم.. وهنا يرى بعضنا بعضاً.. ويعين بعضنا بعضاً!
يروي الشيخان وغيرهما عن ابن عُمر رضي الله عنهما، أن رسول الله
صلى الله عليه و سلم قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلـمه ولا يُسلـمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فـرّج عن مسلم كُـربةً فـرّج الله عنه كربـةً من كربات يوم القـيامة، ومن سـتر مسلماً ستـره الله يوم القيامة»(1)!
ويروي البخاري في الأدب عن أبي هريرة ] قال(1): ( المؤمن مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيباً أصلحه )!
وفي رواية له وغيره عنه ]، عن النبي
صلى الله عليه و سلم قال(2): «المؤمن مرآة أخيه، والمؤمن أخو المؤمن، يكفّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه».
ويروي مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أن رسول الله
صلى الله عليه و سلم قال: «المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله»(3)!
ويطالعنا القرآن الكريم (كتاب الأمّـة الوسط الخيّـرة) وهو يصف الأمّـة المسلمة لنفسها.. لتعرف مكانتها وقيمتها وحقيقـتها.. قال تعالى:
{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} (آل عمران: 110) !
والتعبير بكلمة {أُخْرِجَتْ} تعبير يلفـت النظر.. وهو يكاد يَـشِي باليد المدبّـرة اللطيفة(4)، تخرج هذه الأمّـة إخراجاً، وتدفعها إلى الظهور دفعاً من ظلمات الغيب، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله.. إنها كلمة تصوّر حركة خفيـفة المسرى، لطيفة الدبـيب.. حركة تخرج على مسرح الوجود أمّـة ذات دور خاص، لها مقام خاص، وحساب خاص!
{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}!
وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمّـة، لتعرف حقيقـتها وقيمتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها (خير أمّـة)!
هذا واجبها الذي يحتّـمه عليها مكانها، وتحتّـمه عليها غاية وجودها.. واجبها أن تكون في الطليعة دائماً، وفي مركز القيادة دائماً.. ولهذا المركز تبعاته، فهو لا يؤخذ ادعاء، ولا يسلم لها إلا بأن تكون بتقدّمها العلمي، وبعمارتها للأرض قياماً بحق الخلافة ـ كما أسلفنا ـ أهلاً له كذلك!