|
|
|
|
مجلة العالمية
|
الســيرة النبويـّـة دليل عملي على صدق الرسول صلى الله عليه و سلم
إذا كان الله قادراً على ان يجري المعجزات على يد واحد من خلقه فهو قادر على خلق
ذلك الواحد من غير مثال |
 |
|
|
|
د. سعد
المرصفي - أستاذ الحديث وعلومه |
لا يوجد في الفاتحين والمشرعين والذين سنوا السنن من يعرف حياته واحواله ممن يعرفون
مسيرة محمد صلى الله عليه و سلم
مهما حاول المرجفون والمبطلون أن يسيئوا إلى نبينا الكريم فلن يصلوا إلى مبتغاهم
الوضيع في النيل من أعظم شخصية عرفها التاريخ ، ودشن سيرته العطرة بأحرف من نور ،
لقد تقول هؤلاء الخاسئون على نبي الإسلام وحاولوا إلصاق التهم الباطلة ، متجاهلين
أنه صلى الله عليه وسلم انتقل بهذه البشرية من الظلمات الى النور وأرسى فيها قيم
العدالة والشورى والمساواة ، وخلص العالم من الرق والاستعباد ، وجاءت سيرته الكريمة
لتبين عظمة هذه الشخصية ونبل المهمة الكبيرة التي كلف بها لدعوة العباد إلى عبادة
رب العباد ، وإخراجهم من جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا الى سعة
الدنيا والآخرة .
إذا كان الله قادراً على ان يجري المعجزات على يد واحد من خلقه فهو قادر على خلق
ذلك الواحد من غير مثال
ان عيسى عليه السلام عاش في هذه الدنيا – كما يروي الإنجيل – ثلاثين سنة ، ومع ذلك
نجد ذكر أحواله فقط في مدة ثلاث سنوات من أواخر حياته !
ونتساءل : أين قضى عيسى عليه السلام الثلاثين أو الخمس والعشرين سنة على الأقل من
حياته ؟ وفيم قضاها ؟ وبأي الأعمال شغل هذا الفراغ الواسع من عمره ؟
إن الدنيا لا تعلم شيئًا عن ذلك ، ولن تعلم ! وإن السنوات الأخيرة ماذا نجد فيها ؟
آيات ومعجزات معدودات ، وبعض العظات !
ويستغرب المرء حين يعلم أن شؤون حياة عيسى عليه السلام ، وأحوال معيشته ، أخفى من
غيره وأغمض ، وقد أسدل الزمان عليها حجاباً أكثف مما نراه في حياة غيره من الرسل!
وإن أوروبا قد حملها حافز البحث والكشف على أن تستـثير بطون الصحارى ، وقلل الجبال
، وأطراف الصخور ، والأطلال الدارسة ، ومظان الآثار ، ومجالات الحوادث التي مرّت
عليها الأحقاب الطويلة ، فكتب المستشرقون التاريخ القديم لبابل وأشور وغيرهما ،
وأخذوا يلائمون بين الحوادث القديمة والمجهولة الزمن ، ويعرضونها على الناس ، واضحة
منسقة ، مرتبطاً بعضها ببعض ، وطفقوا يعثرون على الصفحات المفقودة من كتاب التاريخ
القديم !
إلا أنهم أعياهم البحث والفحص ، فلم يجدوا الصفحات المفقودة من حياة نبيّـهم عيسى
عليه السلام ، وقد استفرغ (رينان) جهده ، ولقي من العناء والنصب مبلغاً عظيماً،
ليقف على حياة عيسى عليه السلام كاملة تامة ، ومع ذلك فإن شؤون تلك الحياة لا تزال
سرًّا مكنوناً في ضمير الزمن ، لم يبح به لسانه بعد !
تلك حقائق نذكرها ، لأن من الشروط المحتمة التي لابدّ منها لكل من يرجى أن تكون
سيرته أسوة للبشر: (الشمول والتكامل) ، مع (الوضوح في جميع مراحل الحياة)، والمراد
أن الطوائف البشريّـة المتفرّ قة ، والطبقات البشريّـة المختلفة ، تحتاج إلى أمثلة
كثيرة ومتنوّعة ، تتخذها منهاجاً لحياتها الاجتماعيّـة ، وكذلك الأفراد في المجتمع
البشري هم في حاجة شديدة إلى مُثـل عليا ، يقتدون بها في مناحي حياتهم البيئيّـة ،
لتتوثـق الروابط بين الأفراد ، وتحسن العلاقات بين شتّى الطوائف ، في داخل الأسرة
وخارجها ، ولذلك يجب أن تكون تلك المُثـل واضحة في جميع مراحل الحياة ، ومثاليّـة
كاملة !
ومعلوم أن سيرة الرسول صلى الله عليه و سلم التي بين أيدينا تعطينا الدليل العملي الذي لا ريب فيه على
صدق رسالته ونبوّ ته ، فهي سيرة إنسان سار بدعوته من نصر إلى نصر ، عن طريق طبيعي
بحت ، فقد دعا فأوذي ، وبلّغ فأصبح له الأنصار ، واضطرّ إلى الحرب فحارب ، وكان
حكيماً موفـقاً في قيادته ، فما أزفت ساعة وفاته إلا كانت دعوته تـلّف الجزيرة
العربيّـة عن طريق الإيمان ، لا عن طريق القهر والغلبة !
ومن عرف ما كان عليه العرب من عادات وعقائد ، وما قاوموا به دعوته من شتّى أنواع
المقاومة ، حتى تدبير اغتياله !
ومن عرف عدم التكافؤ بينه وبين محاربيه في كل معركة انتصر فيها !
ومن عرف قصر المدة التي استغرقتها رسالته حتى وفاته، وهي ثلاث وعشرون سنة !
أيقن أن محمداً صلى الله عليه و سلم رسول الله حقّـاً ، وأن ما كان يمنحه الله من ثبات وقوة تأثير
ونصر، ليس إلا لأنه نبيٌّ حقّـاً !
وما كان الله أن يؤيّـد من يكذب عليه هذا التأيـيد الفريد في التاريخ ، فسيرة
الرسول صلى الله عليه و سلم تثبت لنا صدق رسالته عن طريق عقلي بحت ، وطريق عمليّ بحت ، فوق كثرة
الأدلة وتنوّعها !
ومن المؤكد أن المسلمين الذين لم يروا النبي صلى الله عليه و سلم ، ولم يشاهدوا معجزاته ، إنما آمنوا
بصدق رسالته ، للأدلة النقليّـة الكثيرة ، والعقليّـة القاطعة على صدق الرسول
صلى الله عليه و سلم ،
والقرآن الكريم هو المعجزة الكبرى التي تلزم كل عاقل منصف أن يؤمن بصدق الرسول
صلى الله عليه و سلم في
رسالته !
وهذا يختلف تماماً عن سير الأنبياء السابقين المحفوظة لدى أتباعهم ، فهي تـدلّنا
على أن الناس إنما آمنوا بهم لما رأوا على أيديهم من معجزات وخوارق ، دون أن
يحكّـموا عقولهم في مبادئ دعواتهم فـتذعن لهم !
وأوضح مثال لذلك عيسى عليه السلام ، الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه و سلم فيما رواه الشيخان
وغيرهما ، واللفظ لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه :
" أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة ".
قالوا : كيف يا رسول الله ! قال :
" الأنبياء إخوة من عَلاّت ، وأمهاتهم شتّى ، ودينهم واحد ، فليس بيننا نبيّ ".
وفي لفظ :
" وليس بيني وبين عيسى نبيٌّ ".
ونبصر الآية التي بشّـر الله أمه مريم أنها ستكون معه ، والتي واجه بها بالفعل بني
إسرائيل هي معجزة النفخ في الموات فيدخله سرّ الحياة ، وإحياء الموتى من الناس،
وإبراء المولود أعمى ، وشفاء الأبرص ، والإخبار بالغيب – بالنسبة له – وهو المدّخر
من الطعام وغيره في بيوت بني إسرائيل ، وهو بعيد عن رؤيته بعينه !
ونبصر أن كل خارقة من هذه الخوارق التي جاءهم بها ، إنما جاءهم بها من عند الله ،
وذكر إذن الله بعد كل واحدة منها تفصيلاً وتحديداً ، ولم يدع القول يـتمّ ليذكر في
نهايته إذن الله زيادة في الاحتياط :
( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن
رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ
فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ
وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا
تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ) !
(آية 49 سورة آل عمران)
وهذه المعجزات في عمومها تتعلّق بإنشاء الحياة أوردّها ، أو ردّ العافية ، وهي فرع
عن الحياة ، ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية !
وهي في صميمها تتّـسق مع مولد عيسى عليه السلام ، ومنحه الوجود والحياة على غير
مثال ، إلا مثال آدم عليه السلام !
وإذا كان الله قادرًا أن يجري هذه المعجزات على يد واحد من خلقه ، فهو قادر على خلق
ذلك الواحد من غير مثال .. ولا حاجة إذن لكل الشبهات والأساطير التي نشأت عن هذا
المولد الخاص ، متى ردّ الأمر إلى مشيئة الله الطليقة !
والأناجيل المعاصرة تروي لنا أن هذه المعجزات هي التي كانت سبباً في إيمان الجماهير
دفعةً واحدةً به ، لا على أنه رسول ، بل على أنه إله أو ابن إله ! وحاشا لله من ذلك
!
ومن هنا نرى هذه الميزة الواضحة في سيرة خاتم النبيّـين صلى الله عليه و سلم ، أن من آمن به آمن عن
اقتناع عقلي ووجداني !
وإذا كان الله جلّ شأنه قد أكرمه بالمعجزات الخارقة فما ذلك إلا لإكرامه له ،
وإفحام معانديه المكابرين !
ومن تتبّـع القرآن الكريم وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقليّـة ،
والمشاهد المحسوسة لعظيم صنع الله ، والمعرفة التامة بما كان عليه خاتم النبيّـين
صلى الله عليه و سلم
من أميّـة تجعل القرآن الكريم دليلاً على صدق رسالته :
(وَقَالُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ
عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا
أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً
وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)!
(آية 50-51 سورة العنكبوت)
يعنون بذلك الخوارق الماديّـة التي صاحبت الرسالات من قبل في طفولة البشريّـة ،
والتي لا تقوم حجة إلا على الجيل الذي يشاهدها!
بينما الرسالة الأخيرة تقوم حجتها على كل من بلغته دعوتها إلى أن يرث الله الأرض
ومن عليها.. ومن ثم جاءت آياتها الخوارق آيات متلوة من الكتاب المعجز الذي لا تنفد
عجائبه ، والذي تتفتّـح كنوزه لجميع الأجيال ، والذي هو آيات بيّـنات في صدور الذين
أوتوا العلم، يحسّـونها خوارق معجزة كلما تدبّـروها ، وأحسّـوا مصدرها الذي تستمدّ
منه سلطانها العجيب !
( قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ ) !
يظهرها عند الحاجة إليها ، وفق تقديره وتدبيره ، وليس لي أن أقترح على الله شيئاً
.. ليس هذا من شأني ولا من أدبي !
( وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) !
أنذر وأحذّر وأكشف وأبيّـن .. ولله الأمر بعد ذلك والتدبير !
إنه تجريد العقيدة من كل وهم وكل شبهة ، وإيضاح حدود الرسول صلى الله عليه و
سلم وهو بشر مختار ، فلا
تتلبّـس بصفات الله الواحد القهار ، ولا تغيم حولها الشبهات التي غامت على الرسالات
من قبل حين برزت فيها الخوارق الماديّـة ، حتى اختلطت في حس الناس ، والتبست
بالأوهام والخرافات ، ونشأت عنها الانحرافات !
وهؤلاء الذين يطلبون الخوارق يغفلون عن تقدير فضل الله عليهم بتنزيل هذا القرآن !
( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ )
!
وإنه للبطر بنعمة الله ورعايته التي تجلّ عن الشكر والتقدير !
أو لم يكفهم أن يعيشوا مع السماء بهذا القرآن ؟ وهو يتـنزّ ل عليهم ، يحدّ ثهم بما
في نفوسهم ، ويكشف لهم عما حولهم ، ويشعرهم أن عين الله عليهم ، وأنه معنيٌّ بهم ،
حتى ليحدّ ثهم بأمرهم ، ويقص عليهم القصص ويعلّمهم !
وهم هذا الخلق الصغير الضئيل التائه في ملكوت الله الكبير !
وهم وأرضهم وشمسهم وما يحيط بهم ذرات تائهة في هذا الفضاء الهائل لا يمسكهن إلا
الله ، والله بعد ذلك يكرمهم ، حتى لينزل عليهم كلماته تتلى عليهم !
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) !
والذين يؤمنون هم الذين يجدون مس هذه الرحمة في نفوسهم ، وهم الذين يتـذّكرون فضل
الله وعظيم منّـته على البشريّـة بهذا التنزيل ، ويستشعرون كرمه وهو يدعوهم ، وهو
العليّ الكبير ، وهم الذين ينفعهم هذا القرآن ، لأنه يحيا في قلوبهم ، ويفتح لهم عن
كنوزه ، ويمنحهم ذخائره ، ويشرق في أرواحهم بالمعرفة والنور !
فأما الذين لا يشعرون بهذا كله ، فيطلبون آية يصدّ قون بها هذا القرآن ! هؤلاء
المطموسون الذين لا تتفتّـح قلوبهم للنور ! هؤلاء لا جدوى من المحاولة معهم !
( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) !
(آية 52 سورة العنكبوت)
وشهادة من يعلم ما في السموات والأرض أعظم شهادة ، وهو الذي يعلم أنهم على الباطل ،
وأنهم الخاسرون على الإطلاق ! الخاسرون لكل شيء ! الخاسرون للدنيا والآخرة !
الخاسرون لأنفسهم وللهدى والاستقامة والطمأنينة والحق والنور !
إن الإيمان بالله كسب ، والأجر عليه بعد ذلك فضل من الله .. إنه طمأنينة في القلب
واستقامة على الطريق ، وثبات على الأحداث ، وثـقة بالسند ، واطمئنان للحمى، ويقين
بالعاقبة .. وإن هذا في ذاته لهو الكسب ، وهو الذي يخسره الكافرون !
وبعد هذا التطواف نبصر تقرير القرآن الكريم في صراحة ووضوح أن محمداً صلى
الله عليه و سلم إنسان رسول
، وأن سيرته تعطي الدليل العملي على صدق رسالته ونبوّ ته !
ومع هذا أرادت قريش أن تتحدّى الرسول صلى الله عليه و سلم بأن يأتيهم بالخوارق الكونيّـة :
( وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً
(90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ
خِلالَهَا تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا
كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ
بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ
حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ
إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً) !
(آية 90-93 سورة الإسراء)
إن الأمر ليس مجرّ د خوارق كونيّـة ، فالتحدّي قائم بالقرآن الكريم ، ونقرأ قبل هذه
الآيات:
( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا
الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً )
!
(آية 88 سورة الإسراء)
ونقرأ التعقيب على هذا في الآية التالية :
( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى
أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً) !
(آية 89 سورة الإسراء)
وفي نفس السورة نبصر أن التحدّي الأكبر إنما هو بالقرآن الكريم ، وأن الهدف من
الإيمان أن يعمل الناس صالحاً وفق ما أراده الله :
( وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ
) !
(آية 59 سورة الإسراء)
ونبصر منهج القرآن في أن كثرة المعجزات لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة القاسية
، والنفوس الميّـتة الجاسية ، ونحن نقرأ في نفس السورة :
( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً
(101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأََظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً (102)
فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ
جَمِيعاً (103) وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ
فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً) !
(آية 101-104 سورة الإسراء)
ونبصر موقف أهل الإيمان عقب تلك الآيات مباشرة :
( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ
مُبَشِّراً وَنَذِيراً (105) وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ
عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106) قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ
تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى
عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ
رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ
يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) !
(آية 105-109 سورة الإسراء)
وهكذا تصوّر الآيات مشهد الذين أوتوا العلم من قبله ، وهم لا يتمالكون أنفسهم،
وتنطلق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس عميق بالحق ، ويغلبهم التأثـّر البالغ ،
فلا تكفي الكلمات في تصوير ما يجيش في صدورهم ، فإذا القطرات التي تكوّنت خشوعاً ،
وتجمّـعت خضوعاً ، تتساقط دموعاً !
إنه مشهد موح يلمس الوجدان .. مشهد الذين أوتوا العلم من قبله ، وهم يسمعون القرآن
فيخشعون ، ولا يتمالكون أنفسهم فيخرّ ون ساجدين ، وتنطلق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم
من إحساس بعظمة الله وصدق وعده !
ومع هذا شاء الله جلّ شأنه أن يجمع الفضل من أطرافه لخاتم رسله ، فأعطاه معجزات
حسيّـة ، لأن الناس ليسوا سواء في الإدراك والتقدير ، ومن ثم أوتي من الآيات
المتكاثرة ما لم يؤت غيره من الأنبياء ، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً
منيفاً على سائر المعجزات !
نـقـص معـيـب :
وإن (مرجليوت) الذي كان أستاذاً للغة العربيّـة في جامعة أوكسفورد أصدر في سنة
1905م كتاباً تحت عنوان (محمد) وجعله حلقة في سلسلة (عظائم الأمم) وهو لم يكتب
كتابه هذا ليثني فيه على الرسول صلى الله عليه و سلم ، بل لعله لم يؤلف كاتب بالإنجليزيّـة كتاباً
أشدّ تحاملاً على الرسول صلى الله عليه و سلم ، مما جاء في هذا الكتاب ، فقد حاول جاهداً أن يشوّه كل
ما يتعلّق بالسيرة النبويّـة ، وأن يشكّك في أسانيدها ، ولم يأل جهداً في نقض ما
أبرمه التاريخ ، ومعارضة ما حقّـقه المحقّـقون من المنصفين ، لكنه مع كل هذا لم
يتمالك عن الاعتراف في مقدمة كتابه بأن الذين كتبوا في سيرة محمد لا ينتهي ذكر
أسمائهم ، وأنهم يرون أن من الشرف للكاتب أن ينال المجد بتبوئه مجلساً بين الذين
كتبوا في السيرة المحمديّـة !
وقد كتب (جون ديون يورت) سنة 1870م كتاباً بالإنجليزيّـة في السيرة المحمديّـة
عنوانه (اعتذار من محمد والقرآن) والذي يقرأه يخيّـل إليه أنه كتبه بنزعة الإخلاص
والإنصاف ، يقول في مقدمته :
لا ريب أنه لا يوجد في الفاتحين والمشرعين ، والذين سنّـوا السنن ، من يعرف الناس
حياته وأحواله أكثر تفصيلاً ، وأشمل بياناً ، مما يعرفون من سيرة محمد وأحوالها !
وألقى (ريورند باسورث سميث) عضو كليّـة التثليث في أكسفورد سنة 1874م محاضرات عن
(محمد والمحمديّـة) في الجمعيّـة الملكيّـة لبريطانيا ، طُبعت كتاباً – كان أيضاً –
أشدّ تحاملاً على الرسالة والرسول !
تلك إشارات إلى أن السيرة النبويّـة دليل عمليّ على صدق الرسول صلى الله عليه
و سلم !
|
|
|
|
|
|
|
|
 |
|
|
|